الصفحة الرئيسية    تابعنا من خلال فيدو على الفيسبوك فيدو على التويتر




ارسل لمن يهمك ...
الحضارة الحدائقية
الحضارة الحدائقية       
* فن الحدائق:
توجد للحضارة الحدائقية مرادفات أخرى عديدة يمكن الاستعانة بها: تاريخ الحدائق .. أو الحدائق على مر العصور .. أو فن الحدائق على مر العصور.

والفنون لا تُقتصر على الموسيقى أو التصوير أو التمثيل ... الخ
فالحدائق نوع من أنواع الفنون التي تعبر عن رقى الإنسان البشرى على مر العصور أيضاً، كما أنها تمثل نوعاً من أنواع العلم والمعرفة الذي يعكس مدى وعى المجتمع الثقافي.

فن الحدائق- حدائق العصور القديمة.
- حدائق العصور الوسطى.
- حدائق العصر الحديث.

فالحديقة عند القيام بأعمال التصميم لها ومن بعدها التنسيق .. فإن كل عمل من هذه الأعمال يعكس ضرباً من ضروب الفنون التي تحتاج إلى إبداع الإنسان.
ووجود الحديقة ليس بالأمر الحديث وإنما يتميز بالقدم والحداثة فى نفس الوقت، فنظرة الإنسان للحديقة لم تتغير بمرور العصور المختلفة: العصور القديمة والوسطى والحديثة، التي هي رمز لتجديد النشاط والحيوية ولإضفاء راحة النفس والتخلص من أعباء الحياة وصخبها. فالتأمل فى جمال الدنيا المتمثل فى الحدائق يُعطى إحساس بالاسترخاء ممتزجاً بالدهشة، وهناك قول صائب: "إذا كان هناك جنة على الأرض فهي الحدائق".

وكما أشرنا إذا كانت الحدائق فن وعلم، فالعلم هو الذي يُلزِم الإنسان معه معرفة علوم الفلاحة والإدراك العميق بأنواع النباتات .. وإذا قلنا أنها فن فيستلزم من الإنسان أيضاً تفهم قوانين التنسيق والإخراج التي يحتاجها أي عمل فني. وفى نفس الوقت، يختلف فن تنسيق الحدائق عن باقي أنواع الفنون المتعارف عليها حيث لا يمكن الحكم عليها بعد الانتهاء من تنسيقها كما الحال عند الانتهاء من نظم بيوت الشعر أو عند الانتهاء من تأليف قطعة موسيقية حيث يتم الحصول على الحكم الفوري عليها بعد سماعها مباشرة.
فالأمر يختلف مع فن الحدائق، والحكم لا يأتي إلا بعد مرور فترة طويلة من الزمن تصل لسنوات حتى تكتمل جميع عناصرها ونمو نباتاتها وأشجارها، فالنتيجة تُبنى من تخيل المصمم وتصويره.
وتأتى روعة هذا الفن بأن جذوره تمتد فى أحضان القوانين الطبيعية الغامضة لهذا الكون والتي أظهرت فى الوقت ذاته العلاقة الرياضية بين توافق الألوان.

* أولاً - حدائق العصور القديمة:
أنماط لأنواع الحدائق الموجودة فى العصور القديمة، والتي كانت تمثل مختلف الحضارات العريقة. وكانت بداية الحدائق فى العصور القديمة هو لخدمة الأغراض الدينية حيث كانت جزءاً لا ينفصل عن المقابر، أو لسد حاجات الإنسان من الغذاء والأطعمة.

ومن أمثلة الحدائق فى العصور القديمة:
أ- الحدائق الفرعونية:
كان لقدماء المصريين السبق فى الحضارة الحدائقية، وكان على رأس الملوك الذين وجهوا اهتماماً كبيراً بالحدائق الملك "تحتمس الثالث" والملكة "حتشبسوت". كان طراز الحدائق فى هذه الحضارة يغلب عليها عنصر الماء وسط الحديقة الذي كان يمثل عند المصريين القدامى نهر الحياة، وكانت تحيط بأحواض الماء المستطيلة من الجانبين أشجار الظل فى صفوف مستقيمة وعلى أبعاد متساوية.
والتصميم الهندسي للحدائق الفرعونية كان مسطحاً ليُظهر جمال حوض الماء ومجراه الذي يتوسط الحديقة ومن حوله الأشجار والزهور.
يحيط بالحديقة سور مرتفع وذلك لحجب مناظر الصحراء، كما كانت هناك تماثيل الآلهة لتكسبها طابع المعابد.
ومن أشهر الأشجار التي زًرِعت فى الحديقة الفرعونية: أشجار النخيل والصفصاف والمشمش والرمان والزيتون.

ب- الحدائق الآشورية (حدائق الصيد):
الحدائق الآشورية هي محاكاة لحدائق القدامى المصريين، حيث نقل الملك "آشور" معه إلى بلاده طراز حدائق مصر الفرعونية عندما غزاها فى القرن السابع قبل الميلاد إلا أنه أضاف بعض التصميمات التي أعطتها الطابع الآشوري (لكن الأصل من الفراعنة). وكانت الحدائق الآشورية واسعة لتلائم أغراض الصيد أو القيام بممارسة أنواع مختلفة من الألعاب للترويح عن النفس، كما غلب عليها التصميم غير المنتظم الذي يعكس الإيحاء الطبيعي بدلاً من الخطوط المستقيمة لقنوات الماء.

ج- الحدائق الفارسية:
جمعت فى تصميمها ما بين الحدائق الفرعونية والحدائق الآشورية (الحديقة الطبيعية + حديقة الصيد)، فكانت الحديقة الفارسية مربعة الشكل فى تخطيطها وقنوات الري ممثلة فى أربعة أنهار متعامدة وتلتقي فى مركز الحديقة حيث بئر الماء. وغالباً ما كانت الحديقة الفارسية تُحاط من داخل جدرانها الخارجية بقناة من الماء، كما زُرعت فى كل ركن من أركانها الأربعة أشجار الفاكهة والنباتات ذات مواسم إزهار مختلفة على مدار السنة.
وقد جمع الفرس ما بين حب الحدائق وحب الصيد الذين عرفوه عن الآشوريين حيث كانوا يصممون بجلود الحيوانات الحدائق ويعلقونها على جدران المنازل وخاصة فى فصل الشتاء حيث برودة الجو القارسة والتي لا يستطيعون معها الخروج للتمتع بجمال الحدائق واصطياد الحيوانات، ومن هنا برزت صناعة السجاد الفارسي العجمي.
ومن ولع الفرس بفن الحدائق، قاموا بزراعة الجبال بطرق لا تنهار مع سقوط مياه الأمطار واشتهرت مدينتي بابل  وأصفهان بهذا النوع الذي أُطلق عليه "حدائق بابل المعلقة"، وكانت تُزرع بها الأنواع الشهيرة التالية: شقائق النعمان، السوسن، القرنفل والبنفسج.
ومن أقوى المدن الفارسية فى إنشاء الحدائق هي مدينة "شيراز" التي تعتبر مدرسة لتخريج البستاني الماهر حتى وقتنا الحالي، حيث كانت مهمة البستاني فى تلك البلاد من أشرف المهن ويلبسون زياً خاصاً يميزهم عن باقي أصحاب المهن الأخرى.

د- الحدائق الإغريقية (بلاد اليونان القديمة):
كان كل طراز جديد من الحدائق يظهر يقتبس من الحضارة الحدائقية التي سبقته، فحدائق اليونان كانت اقتباس من حدائق الفرس. ويمكننا أن نطلق عليها حدائق بلاد اليونان القديمة أو حدائق الفلاسفة لازدهارها فى عهد الفلاسفة الإغريق اقدامى الذين أكسبوا هذه الحدائق طابع جديد. فكانت الحديقة الإغريقية هي مصدراً لخدمة أحاسيس الإنسان وفكره بدلاً من اقتصارها على إنتاج الغذاء أو الترفيه أو الغرض الديني منها.
وصُممت الحدائق على أن تكون مكاناً فى الهواء الطلق امتداداً لبهو المعيشة فى الحدائق الخاصة.

هـ- الحدائق الرومانية:
قد يكون هناك تشابه كبير بين الحديقة فى الحضارة الإغريقية والحديقة فى الحضارة الرومانية، ونتيجة لذلك أدمج الكثير هذين الطرازين وأسموه بالحديقة الإغريقية-الرومانية. إلا أنه هناك اختلاف وخاصة للنظام الروماني الأكثر تقدماً بما استورده من ثقافات من مختلف البلاد التي غزاها الرومان فى عهد "الإسكندر الأكبر" والتي شملت فتوحاته حتى حدود بلاد الفرس والهند.
كان فن العمارة والنحت سائداً فى هذه الحدائق، ويجوز القول بأن الرومان أول من استعمل المقاعد للجلوس عليها فى الحدائق وزرعوا حولها الزهور ونافورة المياه. وتطورت هذه الفكرة إلى أن ظهرت فى شكل تراسات الحدائق، بالإضافة إلى إنشاء النافورات وقنوات المياه، ونجد رجوع الرومان إلى أصلهم الإغريقي من خلال إطلاق أسماء إغريقية على حدائقهم مثل حدائق الليكيوم (Lyceum).

و- الحدائق الصينية:
اقتبس الصينيون فن الحدائق من القدماء المصريين، وانتقلت إليهم ما بين عام 140 حتى عام 87 قبل الميلاد إلا أنهم طوروه إلى طراز جديد عُرف بالمذهب الطبيعي (Natural system) فى تصميم الحدائق. وكان الغرض من إنشاء الحديقة الصينية هو التأمل للفلاسفة وأصل الفكر ليصبحوا فى عزلة عن الناس، إذا جاء تصميمها يساعد على هذا التأمل وطول التمتع بالمنظر الذي يقع عليه البصر (التمتع البطيء).
فكان تصميم الحديقة لا يقوم على تكون المحاور الرئيسية، وتميزت بوجود مساقط المياه فيها والبحيرات والوديان والجبال.

* حدائق العصور الوسطي (بعد الميلاد حتى آخر القرن التاسع عشر):
أ- الحدائق اليابانية:
دائماً ما تجمع الحديقة مهما كان نوعها او عصرها ما بين الأشكال الطبيعية والأشكال الهندسية (محاكاة الطبيعة الحرة والتصميمات الهندسية المنتظمة)، بالإضافة إلى إدخال الطابع الحضاري لكل دولة والاقتباس من الحضارات السابقة .. وهكذا كان الحال مع الحدائق اليابانية.
فبعد ظهور الحضارة الحدائقية فى الصين عبرت لتصل إلى اليابان والتي كانت تتميز بوجود ثلاث أشكال من الحدائق فيها.
الحديقة المنبسطة، وغالباً ما تُستخدم فى المساحات الصغيرة للمنازل أو الطرق حيث يوضع الرمل على التربة وتوضع فوقه الحجارة بزوايا متلفة وُيزرع حولها بض النباتات.
الحديقة الجافة، وعنصرها الغالب هو التباب وتوضع الحجارة مكان الماء فيها.
الحدائق الصخرية والمائية، تجمع ما بين مجاميع من التباب ومجارى عديدة للمياه، وتنسيق لمناظر أمامية من الحجارة وبحيرات تتوسطها جزر.
أما عن الشكل الغالب للحديقة اليابانية وضع أحجار طويلة أشبه بالحرس فى مداخلها ووجود كباري فوق مساقط المياه، أكشاك خشبية ذات طراز يابانى بالإضافة إلى تماثيل الآلهة.

ب- حدائق العصر الإسلامي:
ويُطلق عليها أيضاً الحدائق العربية الأسبانية، فأسبانيا تعتبر همزة الوصل ما بين أوربا وما بين الشرق الأوسط خلال العصور التاريخية القديمة لذا فهي جمعت ما بين الحضارة الحدائقية الأوربية والحضارة الإسلامية (حدائق الشرق الأوسط).
أي أنها جمعت مابين الطابع الغربي والطابع العربي، إلا أن الطابع العربي هو الأكثر سيطرة وبروزاً.
وكان للحدائق الأسبانية طابعاً مميزاً الذي يعكس فلسفة الفن العربي، وخير مثال على ذلك: حدائق الهمبرا (Alhambra) حيث صحب المسلمون معهم إلى أسبانيا حب الطبيعة التي تمثل حياة البادية لديهم بما فيها حب المناظر الطبيعية والاستمتاع بالماء والهواء.
وكانت فكرة الدهليز (Patio) مقدمة فى الحديقة الأسبانية التي نُقلت عن الرومان، وبكل حديقة توجد نقطة مركزية متمثلة غالباً فى نافورة تلفت النظر إليها، وينتهي الدهليز عادة بما يحتويه من زهور وأشجار ونافورات بصالة كبيرة مفتوحة للهواء والشمس وقد يتواجد فى الحديقة أكثر من دهليز واحد.
كانت الجدران تُدهن باللون الأبيض أو بالألوان الفاتحة، وهناك استخدام للأصص المزروعة فيها النباتات والتي تعتبر جزء من تصميم الحديقة، المدهونة أيضاً بنفس ألوان طلاء الحديقة لكي يتكامل الإطار النهائي الجذاب لها.
اعتنى الأسبان ببناء الشرفات والنوافذ المطلة على الحديقة لكي تكون همزة وصل بين المنزل والحديقة، كما أن ممرات المنازل والحجرات الداخلية كانت تملأها أصص النباتات المحبة للظل وتوضع بجوار المنشآت البنائية.
وحيث أن العرب أكنوا يقدسون الماء ويحترمونه نظراً لندرته فى حياة البادية عندهم، فُوجه إليه اهتماماً كبيراً كعنصر من عناصر الحديقة، فخرجت النافورات يندفع منه الماء إلى قنوات فى شكل هدير أمواج، وكان الاهتمام بذلك حتى لا تركد المياه التي يستخدمونها فى الوضوء (من شعائر الدين الإسلامي).
كما قام العرب بتزويد الحدائق ببعض الأعمال التنسيقية مثل الأسيجة الإطارية (Boxing hedges) التي تحيط بأحواض الزرع والطرقات ونافورات المياه، كما اهتموا بالأقواس المعمارية فبُنيت الأقواس الرخامية فى نهايات الدهاليز.
المزيد عن نظم الأسيجة بالحدائق ..

ج- الحدائق المغولية (الحدائق الهندية):
بما أن العرب أدخلوا طراز حدائقهم فى بلاد الأندلس (أسبانيا)، كذلك فعل المغول بحدائق الهند بإدخال الطراز الفارسي عليها حيث قاموا بغزو بلاد الهند فى عام 1526 ميلادية. وكان طراز الحدائق الهندية أو المغولية إن جاز القول يغلب عليه الطابع التالى: الحديقة أُنشئت حول القصور وحول المقابر وليس فى وسطها كما هو متعارف عليه، كانت الأشجار الغالبة فى الاستخدام والتي تحيط بالحديقة فى صفوف ومسافات متساوية هي أشجار السرو بالإضافة إلى أشجار الفاكهة والنباتات العطرية، استخدام عناصر التنسيق من الماء والظل وذلك لارتفاع درجة الحرارة ببلاد الهند، مساحات الحديقة أكثر اتساعاً عن تلك التي أُنشئت فى بلاد الفرس.

د- الحدائق الإيطالية:
الحديقة الإيطالية وظهورها فى عصر النهضة ما هو إلا امتداد للحدائق الرومانية القديمة، على الرغم من التداخل الكبير بين هاتين الحديقتين.
ومن أشهر الأمثلة للحضارة الحدائقية الإيطالية حديقة فيلالانت (Villa Lante) للمهندس "فيجنولا" 1564.
ومن السمات الغالبة على الحديقة الإيطالية: أولها فن النحت والزخرفة على موقع فيدو حيث وُضعت التماثيل فى أماكن ظاهرة بالحديقة، ثانيها وجود عنصر الماء الذي يربط بين أجزاء الحديقة، ثالثها استخدام النظام الهندسي والذي كان يغلب عليه وجود التراسات المتتالية مع محاور ثانوية متصلة بتلك التراسات.
وكان هناك تنوع فى هذه التراسات مثل التنوع فى درجات السلالم وفى أوجه التراسات النهائية وفى وضع المجاميع الشجرية حولها.

هـ- الحدائق الفرنسية:
يمكننا أن نطلق عليها الحديقة الأرستقراطية، والسبب فى ذلك أن المجتمع الفرنسي عُرِف منذ القدم بأنه المجتمع الذي التف حول الملك وحاشيته وظهرت عليه معالم الحكمة والثراء والتحرر والعلم الذي انعكس فى كل شيء فى حياتهم وخاصة فى نظام حدائقهم، فلم يكن تصميمها بسيطاً أو مكاناً للراحة والتأمل بقدر ما كانت مسرحاً يعكس حياتهم المليئة بالعظمة والتي كان يُقام عليها حفلات البلاط الملكي للحفاظ على مظاهر القوة والجاه.
أما الطابع الآخر الذي غلب على هذه الحدائق بعد طابع العظمة والبعد عن البساطة فى تصميمها هو شق الطرق العريضة فى الحدائق العامة وكذلك وجود شبكات من الطرق التي تربط الأراضي الزراعية ببعضها البعض والتي اقتبسوها من شق الممرات داخل الغابات لاستخدامها فى الصيد.
أما مميزات عصر النهضة الإيطالية والتي نُقلت إلى الحديقة الفرنسية على يد "تشارلز الثامن" عام 1494 من معسكراته بإيطاليا ظهور التراسات والنافورات وعمليات التنسيق بالحجارة كجزء من تصميم الحدائق الفرنسية.
كما قام الفرنسيون بتحويل البرك المائية للأسماك والخنادق المائية للدفاع عن الحصون والقلاع أو التي كانت تُستخدم من أجل أغراض الري إلى قنوات واسعة كمذهباً جديداً فى الحضارة الحدائقية الفرنسية.
ثم جاء المصمم "أندريه لينوتر" لكي يحدث طفرة فى فن الحدائق فى الفترة ما بين 1656 إلى 1661 والذي اتبع ثلاثة مبادىء فى تصميماته للحدائق الفرنسية:
1- وجود مساحة شاسعة أمام المباني تمتد من بعد الحديقة.
2- إتباع البساطة فى محاور التصميم على أن يكون هناك محور أساسي تتعامد عليه محاور ثانوية وفى زوايا المحاور تكون هناك تابلوهات أرضية منسقة بالتماثيل والنافورات.
3- التركيز على أهمية المحور الأساسي ورؤية العين له على امتداد النظر رغم اختلاف فى وحدات التناظر وهو نفس التصميم الذي استند إليه الملك "لويس الرابع عشر" فى تصميم حدائق فرساي.
ثم مرت فترة من اختلال الحدائق الفرنسية حيث كان الفكر السائد بأن الحديقة يجب أن تُترك للطبيعة بدون تدخل للفكر الإنساني، ومرت ثلاثة قرون أخرى وبالتحديد أثناء القرن التاسع عشر أدرك الفرنسيون قيمة مواهب "لينوتر" واتخذوه نبراساً مرة أخرى فى كل تصميماتهم للحدائق.

و- الحدائق الإنجليزية:
تاريخ الحدائق الإنجليزية مر بمرحلتين، مرحلة الاقتباس ثم مرحلة التفرد والإبداعية. فالأولى أثمرت عنها الحدائق المتناظرة أما الثانية فأثمرت عنها الحدائق الطبيعية.
أ- الحدائق المتناظرة:
ويتميز هذا النوع من الحدائق على أنظمة خاصة بالحدائق دخلت إنجلترا مع المستعمرين، ظل منها جزء اقتبسه الإنجليز منها وخرج منها الكثير بجلاء المستعمرين. وكان أول تلك الأنظمة التي نزحت إلى إنجلترا الحديقة الرومانية، وعلى الرغم من أن هذه الحدائق لم تترك آثاراً فى الحدائق الإنجليزية إلا أنها كانت وسيلة لاستجلاب أنواع مختلفة من النباتات جديدة على المجتمع الإنجليزي كما استُحدث بها أعمال التنسيق الزخرفى بالنباتات (Topiary).
وبرحيل الحدائق الرومانية حدث ركود فى الفن الحدائقى واقتصر على الأديرة والتي كانت تنحصر الحاجات فيها على تربية الأسماك وزراعة الكروم والخضراوات من أجل الغذاء، والأعشاب للعلاج والزهور لتزيين محراب أديرتهم.
ثم جاء لعصر "الساكسونى" لتخرج الحدائق من جدران الأديرة لتقام حول سور المنازل ثم تطورت فى مساحتها وما تحتويه من أنواع نباتية.
وفى عصر "هنرى الثاني" وبداية السلام فى إنجلترا أُنشئت الحدائق العامة لأول مرة فى المدن إلى أن قامت حروب (War of Roses)، وعاد السلام من جديد لتظهر الحدائق "التيودورية" نسبة إلى "تيودور" الذي قام بتصميمها فى عصر الملك "هنرى الثامن" وتميزت باحتواء الحديقة الواحدة على أقسام مستقلة لا ترتبط بتصميم أساسي (محوري).
وأقيمت البرجولات والتراسات بالحدائق الإنجليزية، أزيلت الأسوار العالية، أُدخلت البرك المائية التي تربى بها الأسماك.

ب- الحدائق الطبيعية:
كان بداية هذا النوع من الحدائق على يد الطبقة الأرستقراطية الإنجليزية فى القرن الثامن عشر التي كانت لديها الرغبة فى ذلك الحين بإظهار ثرائها وشغفها لاهتمام بالمساحات الشاسعة من الأراضي التي تمتلكها وتحسين مناظرها حيث أتاحت من اجل ذلك سفر الإنجليز إلى إيطاليا وفرنسا لمشاهدة الحضارة الحدائقية لديهم ليتعلموا منه ومع عودتهم يأتون بأفكار جديدة، بالإضافة إلى أن النبلاء من أصحاب الضيعات قاموا بالسفر إلى بلاد الشرق الأقصى للإتيان بأفكار تُنفذ فى صورة حدائق طبيعية.
وبدأت من هنا ظهور فكرة الحدائق الطبيعية البعيدة عن تلك ذات الطراز الهندسي أو ما كان يُطلق عليها "الحدائق المتناظرة".
وإذا كان "تيودور" هو رائد الحدائق المتناظرة فقد جاء "فانبرو" لكي يكون رائد الحدائق الطبيعية والذي قام بتصميم "حدائق قلعة هوارد الطبيعية". ثم جاء اللورد "برلنجتون" لكي يستخدم الحديقة الطبيعية المنزلية ونشرها بين أصدقائه والتي كان يغلب عليها الطرق غير المستقيمة بين الزروع وفى أماكن غير متناظرة، كما اُستخدم الماء فى أماكن مختلفة بالحديقة.
اشتهرت الحدائق الطبيعية باتساع مسطحاتها الخضراء وعدم استعمال أحواض للزهور إلا فى الحدود النهائية للحديقة، وجاء القرن التاسع عشر وكثر استخدام الحدائق ليظهر نوع جديد يُسمى بالحدائق العامة.

* حدائق العصر الحديث (القرن العشرين):
تعكس حدائق العصر الحديث شكل الحدائق فى بعض البلدان الأخرى مثل أمريكا، سويسرا، أمريكا الشمالية والبرازيل والتي ظهرت مع القرن العشرين.
فالحدائق فى أمريكا ما هي إلا مزيج من حضارات حدائقية تاريخية قديمة، فقد اقتُبِست من قواعد الحدائق الإنجليزية التي وضعها كلاً من "روبنسن وجيكل" Robinson & Jekyll، بالإضافة إلى وجود الطابع اليابانى على الحدائق الأمريكية. ثم تأثير مدرسة "بوهومى" الهندسية فى استخدام الأشكال الحرة.
وخروجاً من الاقتباسات القديمة لحضارة الحدائق، كان هناك تجديد ملحوظ فى استخدام هذا الفن فى سويسرا لتخرج أوربا بذلك من قوقعة التقليد والمحاكاة لتشق الطريق للتفرد والتطور فى تصميم الحدائق الأوربية، فظهرت التصميمات المرنة للأشكال غير المتماثلة المتداخلة مع بعضها إلى جانب استخدام النسب غير التقليدية فى المساحات وإدخال التماثيل التي تعكس الدور الإنساني.

وانتقالاً إلى أمريكا الشمالية والبرازيل تحولت التصميمات إلى الأشكال المتماثلة مع الابتعاد عن الأشكال الهندسية التقليدية ووجود مساحات لونية كالتي تتميز بها اللوحات التجريدية.
وكانت هناك لمحة من تأثير الحدائق اليابانية على حدائق أمريكا الشمالية من طريقة تكوين مجموعات صغيرة من الصخور والنباتات، وهناك طراز آخر أسباني لُوحظ فى حدائق كاليفورنيا من المساحات الخضراء الواسعة لتعكس أشعة الشمس الساطعة.
كما بدأ الاستعانة بعناصر جديدة فى إنشاء الحدائق بعيداً عن أشكال الحجر المنحوت مثل الخشب والخرسانة والمعادن والزجاج والذي خرج فى أشكال جديدة حيوية.

الحديقة البرازيلية، هي أكثر أنواع الحدائق التي عكست البيئة التي نشأت فيها وهى بالطبع البيئة البرازيلية. فكان الاعتماد الأساسي فى تصميم هذه الحدائق استخدام الكتل اللونية للنباتات (فكانت بمثابة الألوان التي يستخدمها الفنان لتلوين تصميماته أو تماثيله). ومن هنا يمكننا القول بأن فن الحدائق البرازيلي قد تأثر إلى حد كبير بفن الرسم التجريدي، حيث تُرجمت لوحات هذا الرسم فى شكل ملموس من فسقيات لازوردية وأوراق نباتات ملونة ومسطحات ذات لون أخضر متغيرة الظلال. أكثر أنواع الزروع شيوعاً فى بيئة الحدائق البرازيلية هو الصبار والأجاف.
رائد تصميم الحدائق البرازيلية هو الفنان "بيرل ماركس" Burle Marx الذي أوجد حدائق برازيلية خالصة بنسبة مائة بالمائة.

 قائمة الحدائق بموقع فيدو

ارسل ارسل هذا الموضوع لصديق
تقييم الموضوع:
ممتاز
جيد جداً
جيد
مقبول
ضعيف
   
إضافة تعليق:
 
 
الصفحة الرئيسية عن فيدو اعلن في فيدو اتصل بنا إخلاء المسئولية سياسة السرية
© 2001 جميع حقوق النشر محفوظة لشركة الحاسبات المصرية
Designed & Developed by EBM Co. صمم وطور بواسطة شركة الحاسبات المصرية