الصفحة الرئيسية    تابعنا من خلال فيدو على الفيسبوك فيدو على التويتر




ارسل لمن يهمك ...
ما يقوله علم النفس عن سنوات الطفولة
الأستاذ الدكتور / نبيل على محمود
دكتوراه فى علم النفس النمائى بجامعة المنصورة
ما يقوله علم النفس عن سنوات الطفولة       
* علم النفس وسنوات الطفولة:
1- يقول "فرويد" وقد نختلف معه فى كثير مما يقول: أن أول صدمة يتلقاها الفرد فى حياته هى صدمة الميلاد (Birth Trauma)، إذ يخرج دون رغبته من بيئة ممتازة إلى بيئة سيئة.

فرحم الأم دافىء منتظم الحرارة طوال الوقت ومظلم وبالتالى فهو مريح لعينيه .. كما تحدث للجنين حركة دورانية تريح ظهره وكتفيه لعدم الارتكاز على أى منها لفترة طويلة .. كما يسود الرحم الصمت المريح والغذاء يتدفق للجنين بانتظام وبكميات ملائمة لاحتياجاته الحيوية دون الحاجة للصراخ طالباً إياه.
لكن بخروجه للبيئة الجديدة يشعر بضياع معظم تلك المزايا معظم الوقت، على أننا لا يمكن أن ندُّعى أنه يبكى احتجاجاً على ذلك الخروج الإجبارى. فذلك البكاء ناتج عن حركة انعكاسية غير إرادية لعمليات شهيق وزفير تعترض فيها الأحبال الصوتية مسار الهواء الداخل والخارج فيصدر عنها ذلك الصوت إلى أن يزيح المولود أحباله الصوتية جانباً بميكانيزم داخلى لا نعرفه ونمارسه جميعاً حين لا نرغب فى التكلم أو إصدار أى أصوات.
ويزعم "فرويد" أننا حين يبلغ بنا الإجهاد البدنى والنفسى ذروته فى نهاية كل نهار نلجأ إلى النوم الذى هو محاكاة للمرحلة الجنينية طلباً للراحة، فيلجأ الفرد إلى الفراش ويظلم الحجرة .. ويتدفأ بالأغطية.. ويمتنع عن الكلام .. ويطلب ممن حوله التزام الهدوء والامتناع عن الضجيج، ويتقلب فى الفراش بل وقد يأخذ جسمه الهيئة المطلوبة لجسم الجنين فتكون ركبته قرب بطنه (وضع القرفصاء). ويخرج "فرويد" من هذا بأن المرحلة الجنينية هى أسعد مراحل النمو لكل فرد بدليل أنه حين يبلغ به التعب مداه "ينكص" إلى تلك المرحلة دون سواها من مراحل العمر الأخرى.

ما يقوله علم النفس عن سنوات الطفولة2- أجرى فريق بحث بقسم التوليد "بلندن كلينك" مقارنة بين المواليد الذين يتم احتضانهم لعدة دقائق بعد اكتمال إجراءات التوليد مباشرة وبين المواليد الذين تم وضعهم فى الفراش ولم يحظوا بمثل ذلك الاحتضان. فوجدوا أن المجموعة الأولى تميزت طوال فترة طفولة المهد (من سنة ونصف إلى سنتين) بهدوء وانخفاض فى مستوى الارتجاف و القلق والبكاء العصبى .. فى حين لم يصل أفراد المجموعة الثانية إلى ذلك المستوى طوال تلك الفترة الزمنية. لهذا أوصت مجموعة البحث بأن يتم السماح إحدى قريبات المولود بالتواجد بالقرب من عملية التوليد لأخذ الطفل واحتضانه أو تكليف إحدى الممرضات بتلك المهمة.

ما يقوله علم النفس عن سنوات الطفولة3- يولد الطفل المصرى بوزن يتراوح بين 2-3 كجم، وبطول حوالى نصف متر، ويكون أسمر اللون بتأثير لون الدم فى الشعيرات الدموية الدقيقة المنتشرة تحت بشرته الرقيقة شبه الشفافة. ويتحول لونه إلى درجة أقل إسمراراً بزيادة سمك طبقة البشرة تدريجياً. وتكون أسنانه كاملة العدد (20) لكنها مغمورة فى اللثة وتشق طريقها إلى السطح ابتداءاً من الشهر السادس تقريباً مع وجود حالات غير عادية من حيث العدد ومن حيث التوقيت، ويتوالى ظهور تلك الأسنان (المسماه باللبنية) تبعاً لترتيب محدد ويكتمل ظهورها فى سن سنتين ونصف .. كما أنها تسقط بترتيب معين أيضاً اعتباراً من سن ست سنوات ووقتها يبدأ حلول أسنان أقوى وذات جذور متعمقة فى عظام الفك وعددها يصل إلى 32 سنة وناب وضرس حيث أن الفكين قد صارا أكبر حجماً واتساعاً. وتحتاج عظام الرأس إلى عدة شهور حتى تأخذ شكلها الذى سيجعل للوجه شكلاً مميزاً للصغير يستمر معه وقتاً طويلاً فى طفولته.

ما يقوله علم النفس عن سنوات الطفولة4- "يولد الطفل صفحة بيضاء" هذه مقولة شائعة لكنها غير صحيحة. فالطفل يولد مزوداً بقدرات فطرية على الإتيان بمنعكسات كثيرة (والمنعكس Reflex هو استجابة غير إرادية يعملها المولود حين تظهر فى البيئة مثيرات تهدد سلامته). فيغمض عينيه إذا ظهر ضوء قوى مفاجىء حفاظاً على شبكية العين من التلف، ويكح إذا دخلت قطرات الحليب إلى قصبته الهوائية .. ويعطس إذا صعدت القطرات إلى أنفه .. ويطبق بقبضة يده على كل ما يلامس راحة يده لينّشط الدورة الدموية فى تلك المناطق المتطرفة من جسمه، ويفعل ما يشبه ذلك فى أخمص قدميه (منعكس بابنسكى). وكل تلك الحركات غير الإرادية يأتى بها فور ولادته دون أن يتعلم من أحد كما يولد مزوداً بالقرة على مص الحليب من الثدى ثم بلعه وهذين فعلين منفصلين تشترك فيهما عضلات كثيرة دون سابق تعلم.
كذلك يحرك عينيه مستكشفاً ما حوله من كيانات متحركة وأخرى ثابتة وحين يكمل من عمره عدة أسابيع يدير رأسه وراء الكيانات المتحركة ليتابع التعرف عليها. كما أنه يبكى إذا تم تركه وحيداً بالفراش ويسكت إذا تمت مداعبته ببعض الأدوات بما يدل على رغبته فى الاستمتاع بمشاهدة الأشياء والاستماع إلى الأصوات الصادرة عنها .. وهو بهذا يولد مزوداً بحب استطلاع قوى يمكنًه من سرعة التعرف على العالم المحيط به تمهيداً للتدخل فيه بإيجابية.

ما يقوله علم النفس عن سنوات الطفولة5- دلت الدراسات على أن الحواس الخمس للوليد تكون كاملة النمو وتبدأ فى العمل عقب ولادته بساعات قليلة، على أن حاسة اللمس تكون من بين أكثرها نشاطاً فبمجرد لمس أحد جانبى فمه فإنه يدير رأسه ناحية ذلك الجانب، وهذا الفعل المنعكس التلقائى ضرورى له لكى يقبل على الثدى ليرضع، ولو كان يتصرف كالكبار حين يبتعدون تلقائياً عن الجهة التى تلمس فيها الأشياء وجوههم لمات الصغير جوعاً إذ سيبتعد عن الثدى كلما حاولت الأم إرضاعه.

6- يتعرف الصغير على أمه بطريقتين:
- الأولى برائحتها المميزة كرائحة العرق أو الحليب المبلل لملابسها أو عطرها أو أنفاسها.
- الثانية فى رفعه من على الفراش ثم ضمه إلى جسدها، فهناك صاحبة اليدين الثابتتين، صاحبة اليدين المرتعشتين .. وصاحبة الأسلوب العنيف .. صاحبة الأسلوب الحنون .. وصاحبة الأسلوب المتسرع .. وهكذا.
ومن مجمل ناتج خبراته معها فى مختلف المواقف يحب الصغير أمه أو ينفر منها، فمواقف الرضاعة والتنظيف وتغيير الحفاضات، المناغاة أو الكلام معه أو الصراخ فيه .. وتدريبه على ضبط التبول والتبرز فيما بعد يخرج منها بخبرات طيبة أو سيئة عن أمه، ومنها تتكون عاطفة نحوها إما حباً أو كرهاً أو رعباً من تواجدها بالقرب منه. لذا فإن الصغير لا يحب أمه تلقائياً لمجرد أنها هى التى حملت فيه وولدته ولكن لخبراته الطيبة معها، ودليل ذلك أن بعض الصغار يحبون جّداتهم أو خالاتهم أكثر مما يحبون أمهاتهم. فتكون الأم "البيولوجية" أقل قيمة فى نظره من الأم "البديلة" لأن الأخيرة تقدم له من المواقف السعيدة والمفيدة أكثر مما تفعل الأولى. وعلى هذا يؤكد بعض الدارسين أن الحرمان من الأم يضر بالحالة النفسية للطفل ليس لغياب الأم فى ذاته بل لغياب ما كانت تقدمه له من سعادة وفائدة. فإن أمكن توفير أم بديلة له (مثل الأسر الكفيلة وقرى رعاية الأطفال) فسوف يتضاءل بسرعة شعوره المؤلم بالحرمان من الأم "البيولوجية".

ما يقوله علم النفس عن سنوات الطفولة7- يُصدر المولود أصواتاً تلقائية غير مقصودة "إذن فهى ليست لغة" تدل على ما يجرى داخله من إحساسات بيولوجية، ويشبهها البعض بالصوت الصادر من الماء حين يغلى داخل براد الشاى .. وعن حركة غطاء البراد صعوداً ونزولاً بسبب ضغط البخار، فهذه أصوات غير مقصودة وإنما تُعبر عما يجرى داخل البراد حين يصل الحال بالماء إلى درجة الغليان.
وفيما بعد يصدر الطفل أصواتاً على وتيرة واحدة (Monotonous) لذا تسمى "هديلاً" تشبهاً بأصوات الحمام، ثم تصدر أصواتاً منغّمة تسمى "مناغاة" تؤدى إلى تدربه على التحكم فى أعضاء الكلام تمهيداً للتحدث بلغة مفهومة فيما بعد. وفى نهاية السنة الأولى من عمره يتمكن من النطق بثلاث كلمات فى المتوسط، تزيد إلى حوالى 270 كلمة فى نهاية السنة الثانية من عمره، ويبدأ فى تكوين"الجملة الكلمة" أى يلخص معنى كاملاً فى كلمة واحدة مصحوبة بتعبيرات حركية بالوجه أو بالأطراف فتقوم تلك الكلمة بمهمة جملة تامة المعنى. وبعد ذلك يكون جملاً قصيرة جداً من كلمتين تضم فى الغالب اسماً أو فعلاً دون حروف جر أو ظرف مكان أو زمان.
وننصح الأمهات بمناغاة المولود خاصة فى اللحظات السعيدة له (الإرضاع - التنظيف- التدليل) لكى يأخذ مسألة التواصل بالأصوات على محمل الجدية وهذه بدايات التواصل اللغوى كبديل للتواصل بالصراخ وبالحركات والإشارات. كما ننصحها بأن تنطق الكلمات نطقاً صحيحاً دون تحريف طفولى لها، وإن شاءت التبسيط فعليها باللجوء للكلمات البسيطة الصحيحة فى ذات الوقت (تماماً كما يفعل بعض كتاب المسرحيات باختيار كلمات من العامية تنتمى فى ذات الوقت للفصحى).
وتنمو اللغة لدى الطفل بمحاكاته لأصوات ولكلمات يسمعها، وبحصوله على تشجيع خارجى من الكبار عندما يتقن المحاكاة، بالإضافة إلى سعادة شخصية نابعة من شعوره بأنه قد نجح فى إصدار صوت مشابه للصوت الأصلى. ويرى بعض العلماء أن النمو اللغوى يحتاج إلى نمو عقلى سابق عليه، ودليلهم على ذلك أن المولود ينمو بمعدل سريع بين نهاية السنة الأولى واكتمال السنة الثانية بعد أن يكون عقله قد أحرز قدراً ملائماً من النضج، فى حين انقضت السنة الأولى من عمره دون أن يحرز أكثر من ثلاث كلمات "وشاهدهم الثانى أن لغة العقلاء أفضل من لغة الأقل تعقلاً"
ويرى علماء آخرون أن النمو العقلى يعتمد على نمو لغوى سابق عليه، ودليلهم على ذلك أن عقلية التلاميذ تتطور إلى الأفضل كلما قرءوا ودرسوا ما بالكتب المدرسية واستمعوا إلى الشرح اللغوى للمدرسين .. وتحاوروا مع آبائهم وأصدقائهم، ووسعوا دائرة إطلاعهم على الصحف والمجلات والمراجع الثقافية واستمعوا للراديو والتلفزيون وكلها أنشطة تتصل مباشرة بالممارسات اللغوية.
وقد اقتنع دارسو علم النفس اللغوى (Psycholinguistics) بأن كلاّ من النمو العقلى واللغوى يحتاج إلى ركيزة من الآخر يعتمد عليها فى تحقيق تطوره إلى الأفضل، وإن كان يتضح فى بعض فترات عمر الصغير اعتماد أحد الجانبين على الآخر .. ثم يتم تبادل الأوضاع بينهما فى فترة أخرى من عمره.

* السمات الذاتية:
8 السمات الذاتية- يتميز الجنس البشرى بالنمو المتميز فى القدرات العقلية لأفراده حت تصل إلى مستويات رفيعة.(ومن هنا جاءت تسمية السلالة البشرية الحالية "بالإنسان العاقل - Homo sapiens").
وقد درس "جان بياجيه" عالم البيولوجى ومساعديه تطورات القدرات العقلية لدى عينة كبيرة من الأفراد، وتوصل إلى تدرج تلك التغيرات عبر ثلاث مراحل كبرى هى:
أ- مرحلة ما قبل العمليات العقلية الحقيقية (تحت مرحلة التفكير الحسى - حركى، يعقبها تحت مرحلة التفكير الحدسى) وتستمر من الميلاد حتى بداية السنة السابعة من عمره. ويعتمد فيها ذكاء الطفل على ما يخرج به من خبرات تجلبها له حواسه من مشاهدة الأشياء وفحصها ومتابعة مظاهر حركتها، ومما يخرج به بالحدس (الظن، التخمين) من متابعة للأحداث التى تجرى حوله. لذا فننصح الآباء بتوفير أكبر قدر من الخبرات الحسية والحركية له من خلال ألعاب متنوعة فى ألوانها، ملامسها، روائحها، الأصوات الصادرة عنها أو عن ارتطامها ببعضها وبالأرض، أنماط حركاتها، وتيسير ممارسة الحركات الرياضية الخفيفة له ليدرك قواعد التوازن البدنى خلال السكون والحركات المختلفة.
ب- مرحلة العمليات العقلية الحقيقية المعتمدة على المحسوسات، وتستمر معه من سن سبع سنوات حتى سن البلوغ الجنسى. وفيها يجرى عمليات عقلية ذات خصائص جيدة لكنه بحاجة إلى مساندة حسية تعينه على حسن الفهم، ومن هنا ننصح الآباء والمدرسين بضرورة الاستعانة المُعينات التعليمية التى تتضمن المثيرات التى تخاطب الحواس، وقد رتبها أحد علماء التربية "إدجار ديل" منذ سنوات عديدة ترتيباً تنازلياً تبعاً للجودة مبتدئاً بأهم تلك المُعينات ألا وهو الشرح على الشىء ذاته (سمكة، نبات معين، سيارة، أشكال هندسية مجسمة ... الخ)، فإن لم تتوفر فليكن على نموذج شغال لها، فإن لم يتيسر فليكن على رسوم ملونة بألوانها الطبيعية، فإن لم يوجد فليكن على رسم تخطيطى، فإن لم يمكن عمله فليكن بالشرح اللفظى فقط شفاهة أو كتابة وهذا أضعف المُعينات التعليمية وأسوءها.
كذلك ننصح الآباء بعدم اعتبار ارتفاع سعر أدوات اللعب معياراً لجودتها، وإنما جعل مدى ما تتيحه اللعبة للصغير من فرص واسعة للتفكير والعمل معياراً للجودة الحقيقية. فالقطار الذى يسير بالبطاريات على شريط تؤدى نهايته إلى بدايته أقل قيمة عن علبة تضم مجموعة من التروس والقضبان والصفائح المعدنية مع تصميمات هندسية مقترحة يحاول الصغير تنفيذها بتجميع تلك القطع المفككة مع تشجيعه على ابتكار المزيد من التصميمات لإثراء النشاط العقلى لديه (تركيز الانتباه، دقة اتباع التعليمات، التخيل، الابتكار ... الخ).

ج- مرحلة العمليات العقلية التجريدية، وتبدأ مع الصغير عندما يصل لسن المراهقة. وفيها يتمكن من استيعاب الموضوعات المجردة (Abstracts) من خلال الفهم وليس الحفظ الأصم رغم أن تلك الموضوعات ذات طابع نظرى وليس لها أساس حسّى مباشر، ومثالها مصطلحات: التقوى، الفضيلة، الورع، الشرف، الكرامة، العزة، الوطنية، الليبرالية، الرأسمالية، الجذر التربيعى للمقدار س، الجرام جزىء إحدى المواد، التذوق الفنى، البرمجيات ... الخ.

وفى هذه المرحلة العقلية الراقية والأعلى فى سلم التطور العقلى يمكن للفرد أن يتنبأ من أحداث الماضى والحاضر بأحداث المستقبل، فيضع أكثر من "سيناريو" لما يتوقع حدوثه فيما هو آتِ من الأيام. كذلك يستطيع أن يضع خطة أو أكثر لحل المسائل الدراسية والمشاكل الشخصية والمهنية. وفى هذه الخطط يمكنه أن يراعى الكثير من العوامل الموجودة والمحتمل تواجدها، فينطبق عليه قول الحكيم: "يحسب لرجله قبل الخطْوِ موضعها" تماماً كما تفعل الدول قبل إصدار أى بيان صحفى أو الإتيان بأى عمل عسكرى.
وقد أفاد بعض علماء النفس أن ذكاء الفرد لا يستقر عند سن الثامنة عشر كما هو معروف، وإنما يستمر هذا الذكاء- الذى أطلقوا عليه اسم "الذكاء السائل- Fluid Intelligence"- فى التحسن منتجاً نوعاً آخر من الذكاء أطلقوا عليه "الذكاء المتبلور- Crystallized Intelligence" والذى يفترضون بأنه يتضمن "حكمة العمر وخبرة الأيام".

9ما يقوله علم النفس عن سنوات الطفولة- "ورث فلان حب الشعر من والده الأديب المشهور فلان" و"ورث فلان حسن الخلق من جده الشيخ فلان" و"ورثت فلانة حب الفن من والدتها الفنانة المشهورة فلانة" ... الخ.
كل هذه المقولات خاطئة تماماً، فلا حب الشعر، ولا حسن الخلق، ولا الفن يُوّرث من الآباء أو الأمهات أو الأجداد للأبناء والأحفاد. والأصوب هو القول "اكتسب فلان أو فلانة حب الشعر أو حسن الخلق أو الفن من معايشتهم لوالديهم أو جدهم فحببوهم فيما اشتهروا به ويسّروا لهم طرق استيعاب وإتقان المهارات اللازمة للنجاح فى تلك المجالات نتيجة لتوجيهاتهم المستمرة لهم، ولتشجيعهم على الإطلاع على الكتب والمجلات المتخصصة التى يقتنيها هؤلاء الآباء والأجداد فى بيوتهم وأحاديثهم مع زوارهم الذين من صنفهم حول تلك الأمور، فكانت النتيجة الطبيعية أن يتفوق هؤلاء البناء والأحفاد فى تلك المهارات مقارنة بنظرائهم فى السن الذين لم تتح لهم فرصة مماثلة. إذن فالمهارات والأخلاق والتذوق الفنى وكافة السلوكيات لا توّرث وإنما يتم تعلّمها واستيعابها والتدرب على إتقانها.

10- يرث الإنسان من أبائه وأجداده (لاحظ صيغة الجمع هنا وليس المفرد أو المثنى) الصفات المتعلقة بخصائصه الجسمية: كطول القامة أو قصرها، ولون البشرة والعينين، ملامح الوجه، درجة المناعة الصحية ضد الأمراض. كذلك اتضح مؤخراً أن الفرد يرث من آبائه وأجداده "مستوى الاستثارة - Irritability" أى إلى أى مدى يتحمل المثيرات المنغصة .. كما يرث "المزاج - Temperament" عصابياً كان أو متنزناً، كما يرث مستوى الميل للاندفاع أو للترّوى. فقد اتضح أن صفة "الاندفاعية - Impulsiveness" هى من الموروثات، بل اتضح أن قابلية الشخص للتدخين والاستمتاع بوجود مكونات تدخين السجائر فى جسمه هى صفة موروثة أيضاً. ويتوالى اكتشاف العلماء الذين يشتغلون فى مجال الكشف عن التركيبات الوراثية للإنسان (بحوث الجينوم البشرى) أن المزيد من دوافع السلوك عند الإنسان هى ذات أصل وراثى.

11- كل ما سبق قوله عن وراثة الصفات الجسمية وغيرها لا ينتقل إلى الأبناء من الوالدين وحدهما، وإنما يشترك الأجداد الحاليين والسابقين فى تناقل تلك الصفات جيلاً بعد جيل. صحيح أن بعض الصفات لا تكون ظاهرة (فتصنّف على أنها من "النمط الجينى - Genotype" لكنها لا تضمّحل ولا تزول، فالعوامل الوراثية أيضاً لا تفنى ولا تستحدث" بدليل أنها ستظهر مرة أخرى يوماً ما تحت ظروف معينة على أحد الأحفاد وحينها سوف تصنّف على أنها من "النمط الظاهرى - Phenotype".

12- تلك الصفات الوراثية الجسدية والانفعالية تنتقل عبر الأجيال على أجسام عضوية ضئيلة الحجم جداً اسمها الموّرثات (الجينات - Genes) محمولة بدورها فى مجموعات كبيرة العدد جداً على أجسام عضوية أكبر حجماً وإن كانت فى حاجة إلى الاصطباغ بصبغات معينة ليمكن رؤيتها تحت ميكروسكوب شديد التكبير واسمها (الصبغيات - Chromosomes)، وهذه الصبغيات بما تحمله من موّرثات كائنة بأعداد زوجية محددة القيمة داخل كل نواة من أنوية كل خلية فى جسد الفرد. لذا كان من الخطأ مرة أخرى القول بأن فلانة ورثت فى "دمها" حب الفن، فلا الفن يورّث كما لا يكون التوريث أصلاً فى الدم، وإنما يكون التوريث فى كل خلايا الجسم طالما وُجدت الصبغيات بها.

13- وقد تمكن العاملون فى بحوث "الجينوم البشرى" من معرفة الكثير من الموّرثات (الجينات) الموجودة على صبغيات أنوية خلايا الأجسام البشرية. وبالتالى معرفة ما هى الخصائص (ومن بينها القابلية للأمراض المختلفة) التى سيرثها أبناء وأحفاد كل من يتقدم للفحص الجينومى. ويحاولون دراسة كيفية انتزاع الموّرثات (الجينات) التى تحمل صفات سيئة من نواة الحيوان المنوى للزوج ومن نواة بويضة الزوجة قبل عمل التزاوج بينهما فى أنابيب المعامل بأسلوب "أطفال الأنابيب". ويفكر العلماء فى كيفية إضافة موّرثات تحمل صفات جيدة إلى ذلك الحيوان المنوى والبويضة لكى يكتسبها طفلهم. ومن بين الأفكار الغريبة التى تراود البعض منهم إكساب بعض المواليد صفة القدرة على القيام بعملية التمثيل الضوئى بمجرد شرب بعض المحاليل المخففة والتعرض بدون ملابس لأشعة الشمس لعدة ساعات ومن ثَّم عدم الحاجة لشراء الطعام!. وبالطبع لن يتأتى هذا إلاّ إذا تم نقل موّرثات للحيوان المنوى والبويضة للوالدين توّرث القدرة على تكوين الكلوروفيل بخلايا الجلد أو ما تحت الجلد مباشرة من طبقات سطحية كبديل للصبغيات القمحية أو سمراء اللون المألوفة لدى البشر. وإن كان الباحثون فى مجال الهندسة الوراثية النباتية قد نجحوا بالفعل من سنوات عديدة فى تجميع صفات جمالية أو غذائية أو تجارية بخلايا التكاثر بالكثير من نباتات المحاصيل ونباتات البساتين ثم زرعوها على نطاق واسع وصارت ضمن السلع التى تدر عائداً وفيراً - وإن كانت تلقى رفضاً شديداً من كثير من الناس - إلاّ أن الباحثين فى مجال الهندسة الوراثية البشرية لم يحققوا - ولو فى العلن - نفس هذا النجاح. فالقيود القانونية والأخلاقية والإنسانية والدينية تمنع الكثيرين من التوسع فى هذا الميدان. ولا يمارس شطحات الخيال فى هذا المجال إلاّ مؤلفو الكتب والروايات العلمية الخرافية (Science fiction)، ثم تتحول إلى أفلام لها صفة الإبهار وإن لم يكن لها صفة الالتزام التام بكل الأسس العلمية المعروفة حتى الآن.

14- تلعب الظروف المحيطة بالفرد دوراً مكملاً ومنشّطاً أو مثبّطاً لما ورثه عن آبائه وأجداده من صفات، فالذى ورث عنهم صحة البدن لن يستمتع بهذه الصفة طويلاً إن حاصرته الميكروبات والملوثات البيئية المحيطة به، وإن كان ستتأخر إصابته بالمرض وستقل فترة رقاده به مقارنة بنظرائه الذين لم يرثوا تلك القدرة من صحة البدن. كذلك فالذى ورث ذكاءاً مرتفعاً يمكنه أن يصل لأعلى الدرجات المنزلية والعلمية طالما كانت البيئة المنزلية والمدرسية والاجتماعية توفر له المناخ الهادىء المشجع والإمكانات اللازمة للدراسة. أما لو كانت على عكس ذلك فلن ينعم بالكثير من مزايا ذلك الذكاء الموروث، وقد يترك التعليم فى أى مرحلة من مراحله، أو يسوء توافقه مع الأهل والمدرسين فتحيطه المشاكل من كل ناحية فينشغل عن دراسته ويفشل فيها. لكل هذا ولمثله فقد توصل العلماء إلى أن كلاّ من الوراثة والبيئات المحيطة بالفرد - لاحظ صيغة الجمع حيث تحيط بكل فرد بيئة بشرية وبيئة نفسية وبيئة طبيعية مناخية وجغرافية وبيئة مادية ... الخ - كلها تتفاعل مع بعضها البعض نتيجة مؤثرات تفعل فعلها فى تشكيل خصائص شخصية الفرد: أى جسمه وعقله ووجدانه وأخلاقه. ويكون تأثير الوراثة أشد على خصائصه الجسمية ويتدرج متناقصاً نحو أخلاقه تبعاً للترتيب المذكور أعلاه، فى حين يتدرج تأثير البيئات فى شدته عكسياً مع تأثير الوراثة تبعاً لذات الترتيب. وكلما تقدم السن بالفرد ووقع تحت تأثير بيئات جديدة نشأ تفاعل جديد بين ناتج التفاعل السابق وبين تأثير البيئات الجديدة، فيعاد تشكيل شخصيته من جديد. وهذا يجعل من شخصية كل فرد خاصة الاجتماعيين والرحالة والذين يطلعون على الجديد - كياناً ديناميكياً متغيراً وليس كياناً استاتيكياً جامداً.

* نصائح للأمهات:
15- نصائح هامة:

1نصائح للأمهات- كونى متقبلّة لطفلك أياً كانت حالته الجسمية أو العقلية أو الوجدانية أو الأخلاقية، فالتقّبل (وعكسه النفور المؤدى إلى الإهمال والنبذ) هو نقطة البداية الأساسية للنجاح فى تربيته ..
فالمولود هبة من الله وليس سلعة قابلة للرفض أو للإعادة. وإن كان بالمولود خلل ما، فيكون التصرف الثانى هو السعى الحثيث لإصلاح ذلك الخلل.

2- تعاملى معه دائماً بمبدأ الثواب والعقاب: لكى يعرف ماذا تريدين منه أن يكون وماذا ترفضين. ولا تركّزى على العقاب كلما أخطأ، ولا على الإثابة كلما أجاد فكلاهما ضرورى لتوجيه سلوكه ومشاعره الوجهة السليمة.

3- لا يجب أن يكون العقاب بالإهانات اللفظية ولا بالإيذاء البدنى، وإنما يكون بالحرمان من المزايا، على أن يكون العقاب على قدر الخطأ (تماماً كما يفعل القاضى بالمحكمة)، كما يجب أن تُشعرى صغيرك بأنك سوف تنهى العقاب وتعودى إلى حبه فور إقراره بخطئه وعدم تكراره له.

4- لا يجب ترك الصغير لفترة طويلة (بالسفر للخارج أو بالانفصال عن الأب) خاصة فى المرحلة بين ثلاث وسبع سنوات. فالحرمان من الأم يكون أقل أثراً قبل ذلك إذ لا يكون قد وثّق علاقته بشدة مع الأم فسرعان ما يبرأ من آثار الحرمان إن حلّت محلها أم بديلة ممتازة. والحرمان بعد السبعة يكون أيضاً أقل أثراً إذ يكون قد تدرّب على خدمة نفسه وحمايتها من الأخطار ولدرجة مقبولة وقل اعتماده على الأم لذلك السبب.

5- ليس بالضرورة أن تكون الطريقة التى عاملتك بها أمّك فى صغرك هى الطريقة المُثلى التى تُلزمين نفسك بها فى تربية صغارك، ولا تقعى فيما يقع فيه بعض الآباء حين يقولون بفخر: "لقد ربّانا أباؤنا على الطاعة التامة وكثيراً ما كانوا يضربوننا بالعصا، ولهذا صرنا ناجحين فى حياتنا الحاضرة". هذا الفخر فى غير موضعه، لأنه يستند على منطق مغلوط، فليس بالضرورة أن تكون تلك القسوة هى المقدمات (الأسباب) التى أدت إلى تلك النتيجة الممتازة، فربما كان اجتهادهم وتوفر الإمكانات حولهم وحسن التزام المدرسين فى تعليمهم هى المقدمات التى أوصلتهم لتلك النتيجة. وكان الأجدر بهم أن يقولوا: "بالرغم من القسوة التى عاملنا بها أباؤنا إلاّ أننا صرنا ناجحين فى حياتنا الحاضرة"، مثلما عليهم أن يقولوا: "بالرغم من إصابتنا بالحصبة فى صغرنا إلاّ أننا صرنا ناجحين فى حياتنا الحاضرة".

6- لتقليل بكاء طفلك وصخبه عليك أن تهتمى بإشباع حاجاته عندما يحين وقت لإشباعها دون الانتظار لإلحاحه عليك بطلبها. والحاجات غير الرغبات والنزوات، فهذه لا ننصح بتلبيتها بالضرورة، أما الحاجات فهى ما يجب توفيره له لضمان سلامته البدنية والنفسية. وقد تم تصنيف الحاجات إلى بيولوجية (كالهواء والماء والغذاء والراحة البدنية ..) ونفسية (كالشعور بالأمان، وبأنه محبوب، وباستطاعته أن يجد من هو جدير بحبه وثقته، والشعور بأنه موضع تقدير، وله حق الانتماء، والحصول على ما يريد من المعلومات، وبأنه فى إمكانه الاستمتاع بما هو لذيذ أو جميل من الطعام واللعب، وبالتالى فى استطاعته أن يحقق ذاته).
أما الرغبات فهى طلبات عابرة يمكنك تحقيقها له إن كانت معقولة، فى حين تكون النزوات طلبات سخيفة يجب رفضها بحزم دون تردد.

7- حّملى صغيرك مسئوليات بسيطة بعد إقناعه بأهمية آدائه لها، مع إظهار الفائدة التى تعود من ذلك عليه وعليكِ، ثم اشكريه وامتدحيه أمام الغير على قيامه بها. ولا تقعى فى خطأ تقع فيه الكثيرات بتكليف الصغيرة برعاية الأصغر منها نيابة عنكِ لفترات طويلة أو فى أوقات لا تناسبها، فلا تنسى أن من حق الصغيرة أن تستمتع هى الأخرى بطفولتها. كذلك من الخطأ أن تقولى لصغيرك: "أنت الآن رجل البيت حتى يعود والدك من السفر"، ففى هذا تحميله بهموم نفسية هو فى غنى عنها فى تلك السن.

8- استمعى لما يقوله طفلك لنفسه خلال تعامله مع ألعابه، فكثيراً ما تكشف العبارات التى يقولها للشريك الوهمى خلال هذا اللعب عن مكنونات نفسه من رغبات ومخاوف وعواطف، فالذى يقوله للدمية: "سأعطيك موز حتى تشبعى" إنما يكافئها بما يتمنى أن يناله هو. ومن يقول للدمية: "إ لم تسمعى كلامى سأذهب بك للمستشفى لكى تموتى هناك" إنما يبدى فزعه من فكرة الموت وبأن دخول الإنسان للمستشفى معناها موته حتماً.
ومن يسّب الدمية ويلقيها بعيداً ونسأله عنها فيقول: "هى عمتى فلانة"، فى حين يلاطف دمية أخرى ويحتضنها ويقول: "إنها خالتى فلانة" فإنه بذلك يكشف لنا عن عواطفه تجاه أقاربه. وعليك أن تصححى له فكرته عن الأماكن وعن الأشخاص، بل وتصححى له ألفاظه وصياغته اللغوية. كما يمكنك انتهاز فرصة هذا اللعب الإيهامي لتحسين قدراته الحسابية من خلال لعبة البائع والمشترى حيث يوجد سعر للشراء وسعر للبيع ومقدار للربح والخسارة.

9- يظهر لدى بعض الأطفال اتجاهاً قوياً نحو توثيق علاقاتهم بالأفراد (Person-oriented)، فى حين يظهر لدى غيرهم اتجاهاً نحو الأشياء (Object-oriented)، فإن كان طفلك من النمط الأول فيمكنك تقويم سلوكه بالتهديد بحرمانه من الاتصال بالأفراد الذين يحبهم (وأنتِ منهم) إن ساء تصرفه، ومكافأته بتيسير لقائه بهم إن أحسن التصرف. أما طفل النمط الثانى فالعقاب والمكافأة يمكن ربطهما بتيسير حصوله على أدوات اللعب وقضاء وقت طويل معها.

10- يتأثر الطفل تأّثراً شديداً بما يقوله عنه الأفراد الذين يحبهم ويثق بهم: كالأم، والأب وكالعم أو الخال المفضل لديه، وكالمدرس الذى يرتاح إليه. لذلك فيجب أن يحذر هؤلاء من السخرية من شكله أو من قدراته أو من إنجازاته أو من طموحاته.

11- إذا فشل صغيرك فى أحد امتحاناته قلا تشجّعيه من خلال التشكيك فى صلاحية الأسئلة أو فى ذمة المدرسين بهدف رفع معنوياته، لأنه سيكتسب عادة إلقاء مسئولية فشله على غيره، وقد يكتشف أنك كنت تجاملينه فتفقدين مصداقيتك عنده. والأفضل أن تجعليه يواجه الموقف بشجاعة، وتؤكدى له أنك ستدعمى موقفه قى بذل المزيد من الجهد لتحقيق فهم أفضل للدروس وأن النجاح ممكن ومضمون مع الاجتهاد.

12- من الخطأ الضغط على الصغير ليكون الأول على فصله، فهذا يسبب له توتراً شديداً وخوفاً من الفشل والازدراء من والديه وبالتالى فقدان محبتهم ودعمهم له. ويمكن للأب أن ينّمى طموحاته بأن يطلب منه أن يبذل كامل جهده لكى يكون ضمن الخمس الأوائل بفصله، على أن يلقى المساعدة التعليمية والدعم النفسى الهادىء من الوالدين.

الصحة النفسية على صفحات موقع فيدو

ارسل ارسل هذا الموضوع لصديق
تقييم الموضوع:
ممتاز
جيد جداً
جيد
مقبول
ضعيف
   
إضافة تعليق:
 
 
الصفحة الرئيسية عن فيدو اعلن في فيدو اتصل بنا إخلاء المسئولية سياسة السرية
© 2001 جميع حقوق النشر محفوظة لشركة الحاسبات المصرية
Designed & Developed by EBM Co. صمم وطور بواسطة شركة الحاسبات المصرية