البيئة والجينات معاً في الإدمان
البيئة والجينات معاً في الإدمان
توجد العديد من العوامل التي تتصل بظروف الشخص أو بيئته وتلك الأخرى التي تتصل بتاريخه الوراثي تزيد من مخاطر إدمانه لمختلف المواد والعقاقير.

هل صادفت أو رأيت مدمن من قبل، هل لديك شغفاً لمعرفة كيف يكون شكله .. وكيف تكون تصرفاته؟
وبعد رؤيته، هل سيطرأ السؤال التالي بذهنك كيف وصل هذا الشخص إلى هذه الحالة البائسة .. ومن الذي ساهم أو دفعه إلى هذا الطريق .. طريق الإدمان الذي يكون بلا نهاية؟!

إذا وجدت شخصاً بالمواصفات التالية حينها ستكون قد رأيت الشخص المدمن الذي قد تسمع عنه في روايات متعددة، فإذا كان هناك: شخص له وجه شاحب وتوجد الهالات السوداء حول عينيه، ووجدته شارداً يمشى مترنحاً بغير خطوات ثابتة تتنقل أرجله بطريقة عشوائية. وإذا نظرت إلى عينيه وجدتها محتقنة بالدم .. وإذا دققت في قامته وجدتها منحنية وكأن شقاء السنين نال منها، كما ستجد علامات الألم والعصبية واضحة عليه ويحرك قدميه بصعوبة بالغة ليتقدم خطوة ثم يتراجع فيها مرة أخرى.
المزيد عن علاج الهالات السوداء تحت العين ..
وإذا رفع أكمام القميص الذي يرتديه ستظهر علامات الإدمان أكثر وأكثر، من وجود جلد أصفر شاحب وثقوب في الجلد تدل على الحقن المتعدد وحروق سجائر بالجلد .. وغيرها.
المزيد عن أسباب الإدمان ..

البيئة والجينات معاً في الإدمان* عامل الجينات:
هناك العديد ممن يقولون: "إن جينات هذا الشخص جعلته يقع فريسة للإدمان". ويشيرون إلى الإدمان بأنه مرض تتوارثه الأجيال داخل العائلة الواحدة حيث تم إجراء العديد من الأبحاث العلمية يرجع تاريخها إلى أكثر من 40 سنة مضت تؤكد على وجود بعض الجينات التي تزيد من مخاطر إدمان الشخص لعقار معين.
فعلى سبيل المثال إذا كان أحد الآباء مدمناً للكحوليات فإن مخاطر إدمان أطفالهم تزيد إلى أربعة أضعاف الأطفال الذين لا يشرب آبائها الكحوليات على الإطلاق.
والإجابات التي قدمها العلماء في عصرنا الحالي عن التساؤلات المرتبطة بوراثة الميول للإدمان لا يمكن إرجاعها إلى جين واحد فقط كما الحال مع بعض الأمراض الأخرى .. لأن دور الجينات مع الإدمان وانتقالها معقد للغاية.
وبمعنى أكثر وضوحاً، فإن الجين المتصل بعملية التمثيل الغذائي للكحوليات قد يكون له تأثير في إدمان الشخص لها، إلا أنه توجد جينات أخرى تؤثر على السلوكيات والمزاج المرتبط بعملية الإدمان، حيث توصل العلماء إلى اختلافات في بعض المجموعات الجينية الموجودة في الكروموسومات والتي تكون أرقامها كالتالي: 1، 2، 3، 4، 7، 11، 15 و16 بأن لها دخل كبير ف الاعتماد الكيميائي على عقار أو مادة بعينه.
المزيد عن الوراثة والجينات ..

ومن البراهين المقنعة بدور الجينات في العملية الإدمانية، تلك التي تم الاستناد عليها بالنسبة للأشخاص الذين لا تتوافر لديهم عوامل الخطورة للإدمان وهم الآسيويين، فالآسيوي لديه نقص في الجين الخاص بإنزيم (ALDH2) المسئول عن انحلال الكحوليات. وعندما يشرب هؤلاء الأشخاص الكحوليات يحدث تراكم لـ(Acetaldehyde)، وتراكم مادة "الأسيتالديهايد" تتسبب في إصابة الشخص بأعراض من الغثيان وهى مادة لها تأثير سام على الإنسان أيضاً. تعمل مادة "الأسيتالديهايد" على توسيع الأوعية الدموية التي ينجم عنها حمرة بالوجه وهى إحدى العلامات الشائعة المرتبطة بتراكمها .. وليس من الدهشة في شيء أن الشعوب الآسيوية تتجنب شرب الكحوليات أو أن معدلات إصابتهم بالإدمان ضئيلة للغاية.
المزيد عن إدمان الكحوليات ..
كما تم إجراء دراسات أخرى لمزيد من الفهم لدور الجينات في إدمان الشخص والتي كانت على التوائم. اعتمدت هذه الدراسات على المقارنة بين العوامل الجينية وتلك البيئية وتأثيرها على جزئية محددة.
فإذا كان التركيب الجيني يؤثر على قابلية الشخص للإدمان - الذي وصفه العلماء بأنه مرض مثل باقي الأمراض الأخرى التي تصيب الجسد - فإن التوائم المتماثلة الذين لديهم نفس الجينوم سوف يصدرون نفس السلوكيات وعليه التماثل في الإدمان أو عدم التماثل فيه. أما التوائم غير المتماثلة التي لها جينوم مختلف تقل معهم احتمالات تطابق السلوكيات.
المزيد عن الجينوم البشرى ..

وإذا كان الاعتماد الإدمانى على مادة يرتبط بتأثير الجينات فإن التوائم المتماثلة سوف يتشاركون في السلوك الإدمانى بمعدلات أعلى بكثير من التوائم غير المتماثلة.
وهناك دراسة أخرى تم إجراؤها على ما يقرب من 1934 توأماً "بالمدرسة الطبية بفرجينيا" والتي ثبت معها الارتباط القوى ما بين الجينات وإدمان الكوكايين.
المزيد عن إدمان الكوكايين ..

وكانت النتائج كالتالي نسبة 54% من حالات الإدمان للتوائم المتماثلة في حين أن النسبة انخفضت مع التوائم غير المتماثلة لتصبح 42%. وتم من خلال هذه الدراسة التفريق بين مرحلتين من الإدمان المرحلة الأولى مرحلة ما قبل الإدمان والتي تتمثل في الاستخدام المتكرر للعقار والمرحلة الثانية الاعتماد الفعلي عليه وعدم القدرة عن الاستغناء عنه. فكانت النتائج بالنسبة للمرحلة الأولى تُمثل 47% للتوائم المتماثلة و8% للتوائم غير المتماثلة، وبالنسبة لمرحلة الاعتماد الإدمانى كانت النسب 35% للتوائم المتماثلة و0% للتوائم غير المتماثلة.

البيئة والجينات معاً في الإدمان* البيئة المحيط بالمدمن:
إذا كان للجينات دور كبير في إدمان الشخص وخضوعه للمواد التي تدمر أعضاء جسده، فإن العوامل البيئية لا يمكن أن نغفل دورها أو نتناساه. فقد أشار العديد من علماء الاجتماع إلى دور الظروف الاجتماعية في البيئة المحيطة بالشخص بوصفها إحدى العوامل التي قد تزج بالشخص الإدمان، وأن الإدمان ما هو إلا محصلة للعديد من الأخطاء الاجتماعية.
العوامل البيئية هي تلك العوامل التي تتصل بمحيط الشخص، والبيئات التي يتعامل معها متعددة، فمنها:
- المجتمع الذي يعيش فيه.
- بيئة العائلة.
- بيئة المدرسة.
- بيئة الأصدقاء.
- بيئة العمل.
ومخاطر الإدمان ترتبط بأي من هذه البيئات.

وللتأكيد على دور البيئة في العملية الإدمانية تم إجراء تجربة على فئتين من القردة الفئة الأولى تتسم بحب التسلط والتحكم أما الفئة الثانية فهي تلك التي تذعن وتخضع لأوامر القردة المتسلطة وبتقديم المادة الإدمانية للفئتين المتمثلة في الكوكايين كان إقبال القردة المنقادة بنسبة أعلى من تلك القردة المتسلطة، وتم استخلاص النتيجة التالية: أنه بالتعرض لضغوط ما كتلك المرتبطة بتسلط بعض الأفراد أو حبهم للسيطرة على الآخرين يساهم بشكل ما أو بآخر في دفع الشخص الأضعف إلى الهروب وتتعدد أنواع الهروب ومن بينها الإقدام على الإدمان، وهنا يرتبط الإدمان بشعور الفرد بمكانته الضئيلة وشأنه غير المرتفع بين أقرانه في الهيكل الاجتماعي الذي يعيش في إطاره، كما أن قبول المجتمع للفرد يستمد منه قيمته وإن غاب هذا القبول غاب معه تقدير الذات كما يولد لديه شعور بالاغتراب بين من يعيش معهم.
المزيد عن المكانة الاجتماعية ..
المزيد عن قيمة الفرد ..
المزيد عن الاغتراب والإدمان ..
بالإضافة إلى ذلك تم إجراء العديد من الأبحاث والدراسات التي تم توجيهها إلى التنقيب والبحث عن المزيد من المحفزات البيئية التي تدفع إلى إدمان الشخص. وتم التوصل من خلال هذه الأبحاث انه من الصعب منع استجابة المدمن السابق للمحفزات التي كانت ترتبط بعادته الإدمانية ومثالاً على ذلك لمزيد من التوضيح: إذا كان الشخص مدمناً للكحوليات وتم علاجه فلا توجد مشاكل أثناء تواجده في منزله، لكن إذا خرج وتعرض لمثيرات مرتبطة بالكحوليات من الذهاب إلى مكان كان يشربها فيه أو عندما يشتم رائحتها أو كان بصحبة أحد الأصدقاء الذين مازالوا يشربون الكحوليات فمن الممكن أن يحدث التأثير عليه من خلال هذه المثيرات ويرجع إلى إدمانها مرة أخرى حتى لو كان شُفى من إدمانه، ونفس الشيء ينطبق على كافة المواد الإدمانية الأخرى فإذا تعرض الشخص إلى المثيرات التي ترتبط بذكريات إدمانه لها، فسوف تتولد لديه الرغبة القوية في العودة إليها مرة أخرى حتى لو كان الشخص بعيداًُ عنها لفترة طويلة من الزمن – وهذا ما يُطلق عليه بيئة الإدمان.

وعلاوة على ذلك، هناك مثير آخر يرتبط ببيئة الإدمان وهو البيئة الأولى التي كانت تحيط بالشخص ودفعته للإدمان لاحقاً، فالإدمان هو سلوك مكتسب يتعلمه الشخص .. فالشخص يدمن شرب الكحوليات بعد أن يتعلم كيف يشربها، ولذا فإن البيئة التي يكتسب من خلالها معرفته بكيفية استخدامه للمادة الإدمانية لها دور هام في خلق العادة التي تتحول إلى إدمان بعد ذلك.
كما أن أفراد الجماعة التي ينتمي إليها الشخص وخاصة الأصدقاء ممن يدمنون لهم دور لا يُستهان به في تأثر الشخص بهم وتقليدهم في كافة السلوكيات بما فيها السلوكيات المتصلة بالإدمان.
ويعتبر تأثير الأصدقاء من أولى المثيرات التي يتعرض لها الإنسان في بيئته وتدفعه إلى الإدمان حيث تحتل مقدمة المثيرات، ولكي يتحقق اندماج الفرد مع المجموع وحتى لا يشعر بأنه شاذاً يفعل كما يفعلون .. كما أن حب الاستطلاع يتولد لديه لتجربة أي شيء يفعله الأصدقاء لكي تتوافر المعرفة له مثلهم تماماً، وعليه فإن المزيج الذي يُقدم للشخص من الدعم الإيجابي للإدمان بجانب البيئة المستقبلة لاستخدام المواد الإدمانية تزيد من مخاطر إدمانه.

وبالرجوع إلى سيناريو الإدمان .. فمن غير المنطقي أو المعقول أن نشير بأصابع الاتهام إلى الجينات فقط لكن بيئة الشخص المحيطة به تلعب دوراً لا يقل أهميته بل يزيد على ذلك الدور بالمرتبط بالجينات التي يرثها من آبائه. فهل يُعقل أن نقول بأن الشفرة الجينية هي المسئولة كلية عن خضوع الشخص لعادة الإدمان في غياب المادة الإدمانية سواء أكانت كحوليات أو عقاقير، فإذا بحثنا عن الأسباب لابد وأن نبحث عن تلك المتعلقة بالجينات وبجانبها تلك المتعلقة ببيئة الفرد.
فبغياب المحفزات التي تدفع إلى إدمان الشخص لن يكون للجينات أي دور في العملية الإدمانية، وبالتوصل إلى المثيرات البيئية والعوامل الجينية نستطيع التوصل إلى أسباب الإدمان ليس هذا فحسب وإنما ستقدم يد المساعدة لمن وقع في براثن الإدمان بالمثل.

  • تقييم الموضوع:




تابعنا من خلال

فيدو على الفيسبوك فيدو على التويتر

نشرةالدورية

© 2001 - 2001 جميع حقوق النشر محفوظة لشركة الحاسبات المصرية
Designed & Developed by EBM Co. صمم وطور بواسطة شركة الحاسبات المصرية