أنسنة المدن وإضفاء الطابع الإنساني عليها

أنسنة المدن وإضفاء الطابع الإنساني عليها
* أنسنة المدينة:
يعيش معظم سكان العالم في مناطق حضرية. وتشهد أعداد سكان المناطق الحضرية زيادة هائلة، وهذا يُبرز تحديات مُلحة في تلك المناطق التى تتطلب إعادة النظر في كيفية تصميم المدن الكبرى وفى استعادة وإعادة توزيع المساحات العامة، والتغلب على ارتفاع التلوث الجوي، ونقص المساحات المجتمعية، والحاجة إلى تحسين التنقل، وإعادة النظر فى تصميم المدن الكبرى ينبغى أن يتم من خلال مشاركة المواطنين.

إذا لم يشعر السكان بالأمان أو الانتماء إلى مجتمع ما، فمن المرجح أن ينتقلوا إلى أماكن بل بلدان أخرى. ولا يمكن للمدن أن تستمر بدون سكان وبدون المشاركة الفعالة من جانبهم – والتى تستغرق وقتًا من الزمن – وهذه المشاركة الفعالة يمكن أن تُحقق نتائج ملموسة وإيجابية.

ولإضفاء الطابع الإنسانى على المدن أو بمصطلح آخر أنسنة المدن يتطلب جعل سكان المدن الكبرى يعيشون في انسجام أكبر، وهو نهج متعدد الجوانب يشمل تعزيز الوصول إلى المساحات الخضراء، والنقل المستدام، وممارسات المعيشة المستدامة، والاستثمار في البنية التحتية الخضراء، وتثقيف السكان حول فوائد الرجوع إلى الطبيعة، وخلق حوافز للحياة المستدامة، وبذلك يمكن للمدن وسكانها بناء علاقة أكثر استدامة وتناغمًا مع العالم الطبيعي .. فالهدف الأساسى لأنسنة المدن هو إعطاء أولوية لاحتياجات الإنسان التى تتخطى احتياجات المأوى وراحة السكن للارتقاء بجودة حياته.
المزيد عن ماسلو ونظريته الخاصة باحتياجات الإنسان ..

أنسنة المدن وإضفاء الطابع الإنساني عليها
ازدحام المدينة جعلت الإنسان يعانى من التوتر والضيق طوال الوقت

* المدينة المستدامة مرادفًا لأنسنة المدن:
إذا تخيلنا عالمنا هذا يخلو من الضباب الدخانى وملوثات الهواء الأخرى، وملىء بأنظمة بيئية خضراء مزدهرة، حيث يفوق عدد راكبي الدراجات والمشاه عدد السيارات. قد تبدو هذه الرؤية خيالية بعض الشىء، إلا أن المدن المستدامة تعمل جاهدةً على تحقيق هذه البيئة الحضرية المثالية.
ماذا يعني أن تكون مدينة مستدامة؟
المدينة المستدامة هي مدينة مصممة لمعالجة الآثار الاجتماعية والبيئية والاقتصادية من خلال التخطيط الحضري الأخضر فالمدينة المستدامة وأنسنة المدن مصطلحان متكاملان، ودمج العديد من البدائل صديقة للبيئة في البنية التحتية للمدينة، فخلق ثقافة نابضة بالحياة للمواطنين لا يقل أهمية عن التطور واستخدام التقنيات الحديثة. فالمدينة المستدامة التى تلبى احتياجات البشر وتعطى أولوية للإنسان تتمثل فى البنية التحتية المخطط لها، والمساحات الخضراء العامة، والتخلص الذكي من النفايات، وغيرها، يمكن للمدن أن تخلف وراءها بصمة بيئية صافية لعالمٍ أكثر استدامة.
ولكل هذا مردوده على تحسين الصحة النفسية والجسدية للإنسان وتقليل الأثر البيئى وتعزيز الشعور بالانتماء للمجتمع والتواصل بين السكان. فيجب الحفاظ على التوازن بين التوسع وحماية البيئة والعدالة الاجتماعية (مراعاة عدم المساواة وتأمين الاستخدام العادل للموارد والفرص وجعل المساحات العامة قابلة للوصول والاستخدام لكافة السكان).
تحاول المدن فى مختلف أنحاء العالم استكشاف سبلًا جديدة لتحسين حياة مواطنيها، مع الموازنة بين متطلبات التطور التكنولوجي والحضري السريع. وقد أدى ذلك إلى استفادة المدن الذكية من التكنولوجيا لخلق بيئات حضرية أكثر كفاءة واستدامة. ولا يقتصر الاستثمار في مبادرات المدن الذكية على تحسين جودة حياة ملايين الناس فحسب، بل يسهم أيضًا في دفع عجلة النمو الاقتصادي وخلق فرص جديدة للابتكار. ومع تطور المدن الذكية، عليها أن تولي اهتمامًا أكبر لجوانب إضفاء الطابع الإنساني على العديد من التحديات، حيث توجد صعوبة فى الفصل بين الإنسان والتكنولوجيا. من منظور تكنولوجي، يشكل التطور الديجيتال السريع والمستمر تحديًا مستمرًا للمهتمين بالعلاقة بين الناس والأماكن والتكنولوجيا. لا يمكننا إيقاف التغييرات، بل يمكننا محاولة فهمها وإعلام الناس وتثقيفهم، بغض النظر عن انتمائهم، وخاصة في عملية إنتاج مشتركة لمجتمعات أكثر شمولًا واستجابة.
المزيد عن التكنولوجيا ..

وقد كتب العالم الشهير "ألبرت أينشتاين/Albert Einstein": "لقد أصبح من الواضح بشكل مروع أن التكنولوجيا قد تجاوزت إنسانيتنا .. يجب أن يكون الاهتمام بالإنسان نفسه ومصيره هو المحور الرئيسي لأي مسعى تقني. مع عدم نسيان هذا أبدًا في خضم مخططاتنا ومعادلاتنا." - ألبرت أينشتاين (14 مارس 1879 - 18 أبريل 1955) كان عالم فيزيائى ألمانى اشتهر بتطوير نظرية النسبية. كما اشتهر ألبرت أينشتاين بمعادلته التي تنص على أن الطاقة والكتلة (المادة) هما الشيء نفسه، ولكن في شكلين مختلفين. كما عُرف باكتشافه للتأثير الكهروضوئي، الذي نال عنه جائزة نوبل في الفيزياء عام ١٩٢١. وضع أينشتاين نظرية النسبية الخاصة والعامة، التي ساهمت في تعقيد وتوسيع النظريات التي طرحها إسحاق نيوتن.

أنسنة المدن وإضفاء الطابع الإنساني عليها
العودة للطبيعة هى أولى أساسيات أنسنة المدن

* استراتيجيات أساسية لأنسنة المدن:
1- تطوير متعدد الاستخدامات:
يخلق دمج المساحات السكنية والتجارية والترفيهية داخل الأحياء مجتمعات حيوية، حيث يُمكن للسكان التنزه والتفاعل والتواصل الاجتماعي. حيث أن التخطيط التقليدي الذى يعتمد على فصل السكن عن المناطق التجارية والترفيهية لم يعد عمليًا. لذا، يُصبح من الضروري إعطاء الأولوية لإنشاء بيئات تُوفر للسكان شعورًا بالراحة والرفاهية.
تساعد المدن المستدامة السكان على تحقيق الاستدامة في حياتهم من خلال توفير الفرص وإمكانية الوصول إلى الموارد وتقليل مسافات التنقل. وتعد مباني الصحة العامة، ومراكز التنمية الاقتصادية، ومراكز التكنولوجيا، وتشمل هذه الموارد أيضًا مرافق وبرامج ترفيهية يمكن لأفراد المجتمع المشاركة فيها. ويمكن لبعض هذه المرافق، مثل المتاحف والمراكز الثقافية، أن تعيد إضفاء طابع إنساني على المراكز الحضرية، وتساعد المدينة على تحديد هويتها. ويعد تخصيص الأموال العامة للمرافق والفعاليات الثقافية وسيلةً فعالة لتعزيز التنوع والشمول على مستوى المدينة، ويساعد على بناء الروابط داخل المجتمع. الشمول يتضمن التخطيط الملائم لذوى الاحتياجات الخاصة وكبار السن والأطفال.

2- وسائل نقل عام فعالة وذات كفاءة:
يضطر العديد من سكان المدن إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى العمل أو المدرسة، مما قد يكون مرهقًا ويستغرق وقتًا طويلاً.
يجب على المدن التي تركز على الاستدامة أن تُعالج مسألة النقل بشكل مباشر، فالمركبات الآلية مسئولة عن نسبة كبيرة من انبعاثات أول أكسيد الكربون. تسهم وسائل النقل العام الميسرة والفعالة ذات الكفاءة من حيث التكلفة والمتوفرة فى كافة أرجاء المدينة الواحدة في تقليل الاعتماد على السيارات، مما يقلل من الانبعاثات الضارة الناتجة عن التنقلات اليومية للقيادة وقضاء المهام بشكل أسرع وأيسر.
بصفة عامة، يجب تيسير التنقل بسهولة والوصول إلى الوجهات المنشودة بسرعة مع العمل بقدر الإمكان على الاستمتاع بالطبيعة والمناظر الجميلة خلال التنقل.
فيما يلي بعض الأمثلة على وسائل النقل العام التي طبقتها المدن المُستدامة:
- حافلات (الأتوبيسات) الكهربائية، تنتج السيارة الكهربائية انبعاثات عوادم صفرية مقارنةً بسيارة الركاب التقليدية، التي تنتج ٤٫٦ طن متري سنويًا. بالنسبة للمدن التي تسعى إلى تحقيق الحياد الكربوني، يجب أن تصبح محطات شحن المركبات الكهربائية أو بدائلها شائعة. ويمكن لمخططي المدن العمل مع المطورين لتحديد مواقع محطات الشحن التي تناسب كلاً من السائقين ومالكي المنازل المحليين. ومن المركبات الصديقة للبيئة الأخرى التي تتطلب محطات إعادة تعبئة حديثة، السيارة التي تعمل بالهيدروجين. تعمل هذه السيارات بالهيدروجين والأكسجين، ويمكنها العمل لمدة أطول بمرتين من السيارة الكهربائية قبل الحاجة إلى إعادة التعبئة (بدلاً من الشحن). ومع ذلك، لا يوجد اليوم سوى ٣٧٦ محطة تعبئة وقود حول العالم.
- أنظمة المترو
- سكك حديدية تحت الأرض
- قطارات
ومن الأساليب الرائعة الأخرى لتحسين النقل العام وتشجيع الممارسات الصديقة للبيئة تخصيص مسارات محددة للحافلات وسيارات الركوب المشترك والدراجات، كما أن تكنولوجيا النقل تسعى إلى تطوير وسائل نقل عام صديقة للبيئة من خلال تقنيات جديدة مثل الطرق الذكية.

أنسنة المدن وإضفاء الطابع الإنساني عليها
الدراجات من وسائل النقل الفعالة والنظيفة فى المدن

ابتكارات جديدة في مجال التنقل:
- تطبيق قيود على السرعة:

من خلال تعزيز ضبط السرعة، ووضع كاميرات غير مرئية لمراقبتها – مع وجود استثناءات على الطرق الرئيسية. ومن الطبيعى أن تحدث مقاومة من جانب العديد من الجهات للفكرة في بداية الأمر، ولكن بدلاً من الاستجابة للجميع، يتم التركيز بشكل رئيسي على مؤيدي الفكرة. ويُعد التواصل بالغ الأهمية: من خلال إعلان جميع الخدمات العامة عن الفكرة، وإرسال المعلومات عبر البريد الإلكترونى لمئات الآلاف من الأشخاص. وتواجد مثل هذه الأخبار فى الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي. وصحيح أن ضبط معايير السرعة وخفضها يؤدى إلى ازدياد إجمالي زمن رحلات السيارات، ولكن ليس كثيرًا، لكن على الجانب الآخر سيؤدى هذا إلى خفض عدد الحوادث. وانخفاض مستويات الضوضاء، وهذا ما تم تطبيقه فى إحدى المدن الأوروبية.
المزيد عن الضوضاء (التلوث السمعى) ..

- إدارة مواقف السيارات:
هناك استخدام جائر للمساحات العامة بسبب السيارات، فإدارة مواقف السيارات في الشوارع باستخدام ضوابط مثل تحديد الوقت، وفرض رسوم، وتحديد المناطق التي يُمنع فيها الوقوف، وتخصيص مناطق مخصصة للمشاة، وشوارع تسوق، ومساحات خضراء كلها أدوات فعالة لتحرير المساحات العامة من السيارات. فإعادة تأهيل الساحات العامة الرئيسية في المدينة، بهدف تشجيع الناس على التخلي عن سياراتهم وتحويل الطرق إلى مساحات عامة، مما يجعل المدينة أكثر ملاءمةً للسكان.
ويُمكن اتخاذ العديد من الإجراءات أيضاً، مثل: توسيع مناطق المشاه، وزيادة رسوم مواقف السيارات، وإدراج طرق سريعة للدراجات في مشاريع التنمية العامة الجديدة. من الهام أيضاً إجراء تحسينات تكميلية، مثل تحسين الأرصفة عند تطبيق نظام مواقف السيارات المدفوعة، أو إنشاء مناطق مخصصة لمواقف السيارات للاستفادة من الإيرادات الإضافية.
وفي سياق تطبيق هذه الأفكار المبتكرة، نوقشت بعض العقبات التى يمكن أن تواجهها، فمثلاً المسارات أو الطرق المخصصة للدراجات الهوائية قد تعوق حركة كبار السن فى الشوارع، كما توجد معارضة حول القيود المفروضة على استخدام السيارات.

أنسنة المدن وإضفاء الطابع الإنساني عليها
الحافلات (الأتوبيسات) التى تعمل بالكهرباء من أولويات المدن المستدامة

3- مساحات عامة مجتمعية جيدة:
على الرغم من الكثافة السكانية العالية في المدن - والتى ساهم فيها انتقال السكان من الريف إلى الحضر، إلا أنه من السهل الشعور بالعزلة الاجتماعية (Social isolation) نظرًا لطبيعة الحياة السريعة في المدينة.
قد ترهق طبيعة الحياة في المدينة، سريعة الوتيرة والتنافسية، الكثيرين، مما يسبب لهم مستويات أعلى من التوتر مقارنةً بمن يعيشون في المناطق الأخرى مثل المناطق الريفية. مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذا لا ينطبق على الجميع، فقد يشعر بعض الناس في بيئات المدينة بأنهم أكثر راحة واسترخاء وخاصة فى المدن الأكثر تطورًا والتى تُسمى بالمدينة الذكية.
ومن أجل ذلك، برز مصطلح التخطيط الحضري التكتيكي (Tactical Urbanism) استجابةً لتلك الاحتياجات. يشير مصطلح "التخطيط الحضري التكتيكي" غالبًا إلى تحسينات مؤقتة صغيرة الحجم ومنخفضة التكلفة، كوسيلةٍ لضخ استثمارات أكبر تحسن جودة الحياة في الأحياء والمدن. يعزز التخطيط الحضري التكتيكي مشاركة المواطنة الفاعلة، مع تمكين التعاون بين القطاعات المختلفة. ويمكن وصفه أيضًا بـ"التعلم بالممارسة". ومن منظور التخطيط الحضري التكتيكي، يعد التخطيط الحضري التكتيكي والمؤقت أداة تخطيطية تستخدم كمفتاح لحل التحديات الحالية والمستقبلية التي تواجهها المدن الكبرى، وإعادة إضفاء طابع إنساني على المدن، وجعلها أكثر أماناً وتشجع على التواصل الاجتماعى وتخصيص الأماكن المخصصة للمشاه والدراجات مما يجعل المدينة أكثر استدامة مع توفير المساحة المناسبة للمواطنين.
المزيد عن مقومات جودة الحياة ..

فمن المعروف أن التنمية الحضرية المعتمدة على السيارات في النصف الثاني من القرن العشرين أدت إلى التلوث والازدحام ومشاكل خطيرة أخرى، مع تدهور جودة الحياة بشكل كبير في العديد من المناطق. كما أن إنشاء الطرق السريعة لربط المدن الكبرى ببعضها البعض فى مختلف أنحاء العالم وانتشار الضواحي والتوسع الحضري حيث حلّت الشوارع الواسعة محل المناطق التاريخية المهدمة فى بعض عواصم العالم .. كل هذه التطورات المؤسفة لم تحدث من تلقاء نفسها، بل نتجت عن تدخلات سياسية وتخطيطية منهجية شجعت على استخدام التخطيط الحضرى.
المزيد عن التلوث ..
لكن في القرن الحادي والعشرين، بدأت مدن في بعض أنحاء العالم بإعادة النظر في مفهوم التنقل والأماكن العامة، سعيًا لتصحيح الأخطاء السابقة والترويج لبدائل السيارات والتوسع الحضرى وإعادة إضفاء الطابع الإنساني على المدن.

أنسنة المدن وإضفاء الطابع الإنساني عليها
المبانى الشاهقة تسبب التلوث البصرى وتفقد المدينة هويتها معها

إن عكس هيمنة السيارات في المدن ليس مستحيلاً: فمرة أخرى، ثمة حاجة إلى تدخلات سياسية وتخطيطية منهجية، وهذه المرة في الاتجاه المعاكس لما كان سائداً في القرن الماضي. يجب أن تهدف التغييرات الجديدة في مجال التنقل وتطوير المساحات العامة إلى الحد من استخدام السيارات ودعم وسائل النقل العامة، مع إحداث تحولات في المساحات العامة بما يعود بالنفع على السكان ولإعادة الإنسانية إلى المدن مرة أخرى.
هنا لابد من إعادة هيكلة المفاهيم يجب استبدال أولوية التنقل - إلى أي مدى يمكن الذهاب في فترة زمنية معينة - بأولوية تُعطى للوصول، أى قدرة الناس على الوصول إلى الوجهات، بدلاً من قدرتهم على السفر بسرعة "إمكانية الوصول وليس التنقل". ويجب أن يعتمد النهج الجديد على التالى: الاتصال (الاتصال بالأدوات والشبكات عبر الشبكة البينية (الإنترنت)، مما يتيح بعض الأنشطة دون الحاجة إلى الانتقال الفعلي)، والقرب (تقريب خدمات المدينة من بعضها البعض في المكان) والتنقل المبتكر (اتباع نهج متكامل لتعزيز النقل العام باعتباره العمود الفقري لاحتياجات التنقل).

رؤى جديدة للمساحات العامة:
أ- رؤية مدينة الـ 15 دقيقة:

يُعد "كارلوس مورينو/Carlos Moreno"، المدير العلمي بجامعة السوربون، باريس، أشهر الشخصيات الملهمة وراء فكرة "أحياء الـ 15 دقيقة". وقد أوضح كيف تهدف هذه الرؤية إلى إضفاء طابع إنساني على المدن من خلال خلق نمط حياة حضري جديد في "أحياء الـ 15 دقيقة". حيث يشير إلى أن القدرة الحقيقية للمدينة تكمن في توفير خيارات متعددة في جميع الظروف. يجب أن تكون الأماكن قابلة للاستمرار، وصالحة للعيش، وأن يتم الوصول إلى معظم الوظائف الضرورية في غضون 15 دقيقة في المناطق الحضرية الكثيفة - أو في غضون 30 دقيقة في المناطق الأقل كثافة.

أنسنة المدن وإضفاء الطابع الإنساني عليها
يقول العالم "ألبرت أينشتاين/Albert Einstein": "لقد أصبح من الواضح بشكل مروع أن التكنولوجيا قد تجاوزت إنسانيتنا

ب- رؤية الأحياء السكنية الكبرى:
برنامج أو رؤية "الأحياء السكنية الكبرى" كما يشير إليه أحد الخبراء، وتشمل إجراءاته استعادة المساحات العامة عالية الجودة، وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مع الإكثار من التشجير، وتحويل المناطق إلى مناطق مخصصة للمشاه لكل الفئات للصغار وكبار السن وذوى الاحتياجات الخاصة، وتعزيز التنقل المستدام. والفكرة الأساسية للحي السكني الكبير هي منع مرور السيارات غير المقيمة من منطقة مخصصة للحي السكني، مع تخصيص الشوارع والساحات الداخلية كمساحات مشتركة، مع إعطاء الأولوية للمشاه. هذا يعني أن جميع سكان الحي السكني الكبير يتمتعون بإمكانية الوصول إلى المساحات الخضراء والعامة، بينما يستغل راكبو الدراجات والمشاه المساحة التي كانت تستخدمها السيارات سابقًا.

ج- كما أن هناك رؤى أخرى هامة عند تصميم المساحات الحضرية العامة:
- إنشاء أماكن ترفيهية وملاعب عامة للأطفال.
- وجود دورات مياه عامة.
- وجود أرصفة واسعة بالشوارع لتمكن المشاه من التحرك بسلاسة.
- ضمان سهولة الوصول إلى المساحات الخارجية ووسائل النقل.
- توفير أماكن للجلوس والحصول على قدر من الراحة وخاصة لمن يعانون من مشاكل فى المشى لفترات طويلة وخاصة لكبار السن أو ممن يعانون من إعاقة ما.
- توفير اللافتات التى تحتوى على المعلومات الإرشادية لتسهيل الوصول إلى مختلف الأماكن العامة.

أنسنة المدن وإضفاء الطابع الإنساني عليها
توجد صعوبة فى الفصل بين الإنسان والتكنولوجيا

4- المساحات الخضراء فى كل مكان:
يجب أن تعطى المساحات الخضراء الحضرية أولوية قصوى للمدن المستدامة، إذ تُعالج هذه المساحات العديد من التحديات في آنٍ واحد. يمكن للمدن تحقيق مكافحة التلوث، وتعزيز الصحة العامة، وازدهار التنوع البيولوجي من خلال تبني بنية تحتية خضراء، مع زيادة قيمة العقارات في المنطقة. تُعد الحدائق، والممرات الخضراء، وأشجار الشوارع، والمناطق المحمية أمثلةً على المساحات الخضراء العامة.
كما يمكن لبناء حدائق مجتمعية ومزارع أن يساعد في حل تحديات الغذاء. فبالإضافة إلى توفير مساحات بستنة مجانية أو بأسعار معقولة للسكان، يمكن دمج تنسيق الحدائق الصالحة للأكل لضمان أن تكون النباتات الحضرية ذات غرضين: جمالية وعملية.
بالإضافة إلى زراعة أسطح المنازل، حيث تنتج المباني ٣٠٪ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم. ما هو الحل؟ المباني الخضراء، التي تقلل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة ٣٢٪. كما أنها تتطلب صيانة أقل، وتوفر فواتير المياه والكهرباء. كما أنها لا تحتاج إلى موافقات حكومية.
المزيد عن ظاهرة الاحتباس الحرارى ..

أنسنة المدن وإضفاء الطابع الإنساني عليها
زراعة الحدائق فى المنازل وفوق أسطحها من حلول المدينة الخضراء

5- أحياء مناسبة للمشي:
من أفضل الطرق لتقليل انبعاثات الكربون في جميع أنحاء المجتمع تشجيع المواطنين على التخلي عن وسائل النقل العام تمامًا. يعد المشي وركوب الدراجات بدائل رائعة للتشجيع، ويمكن لقادة المدن القيام بذلك من خلال الموافقة على تغييرات في البنية التحتية، وسن قوانين لحماية راكبي الدراجات، واتخاذ قرارات تخطيط حضري ذكية مثل طرق سريعة مخصصة لركوب الدراجات في جميع أنحاء المدينة والكبارى المصممة خصيصًا لراكبي الدراجات.
تشمل البنية التحتية المناسبة للمشي وركوب الدراجات ما يلي:
- كبارى المشاه
- شبكات مسارات الدراجات
- وسائل نقل صغيرة مشتركة
المزيد عن أنواع الدراجات ..

أنسنة المدن وإضفاء الطابع الإنساني عليها
المشى يحسن من جودة حياة الإنسان ومن جودة الهواء الذى يتنفسه بعيداً عن السيارات

6- التوسع العمراني والحفاظ على الهوية الثقافية:
إن الأبراج ذات الحجم الكبير تهيمن على المدن الرئيسية في جميع أنحاء العالم لا تعطى مساحة لتحرك الإنسان فيها، جعلتها تبدو وكأنها كتل عملاقة من الجدران، تفقد هويتها، بدلاً من أن تكون تمثيلاً للمجتمع الذي يعيش فيه الإنسان. كما أن تخطيط المدن الحديثة يشير إلى المشهد الحضري. فقد تحولت الشوارع التقليدية إلى إشارات المرور عند كل تقاطع، وطرق منحنية سريعة مليئة بكم كبير من السيارات والمركبات أو طرق عبارة عن شوارع ضيقة ذات مسارين مزدحمة وغير قابلة للتنقل أو المشى فيها، ومبانى عملاقة ولافتات وأصبحت هناك حاجة ملحة من جديد لإنشاء مدن تستجيب للاحتياجات البشرية وتنظر إلى المقياس البشري. ليكون هو المفتاح لتصميم مدينة أكثر ملاءمة للعيش.
من المهم جداً مراعاة البعد الإنسانى عند التوسع العمرانى في المدينة والحفاظ على التراث الثقافى والتقاليد المتبعة في العمران والشوارع.

ينبغى أن يُراعى التالى في تخطيط المدن: إعادة تحديد أحجام الكتل فى الشوارع، وبدلاً من إضافة مسارات سيارات باستمرار إلى الطرق المزدحمة بالفعل وتوفير مساحة أكبر للسيارات، يحتاج المهندسون المعماريون ومخططو المدن إلى التركيز على تعديل المقياس ليناسب جسم الإنسان. تساعد الكتل الأصغر على خلق مسارات مريحة للمشاة، كما أنها تخلق بيئة أكثر أمانًا وجاذبية للمشي، مما يعزز قابلية المشي، ونتيجة لذلك، بيئة حضرية حيوية.

لا أحد يستطيع أن يُنكر أنه في عصر التطور هذا، نواجه باستمرار مشاكل النمو السكاني، والتى لا يمكن أن نُنكر الحاجة معها إلى المباني الشاهقة لاستيعاب هذا النمو. ومع ذلك، يستطيع المصممون بالتأكيد بذل المزيد من الجهود لإضفاء طابع إنساني على بيئتنا وجعل بيئتنا العمرانية أكثر ملاءمة للعيش. من خلال الاهتمام بشكل أكبر بالحجم البشري، يمكننا خلق أماكن أفضل للناس. من مداخل تتناسب مع الحجم البشري، ونوافذ تسمح للناس برؤية العالم الخارجي، ومواد دافئة يرغب الناس في لمسها، وساحات للتجمعات غير الرسمية، إلى كتل أصغر تُسهّل المشي، هناك ملايين الطرق للمصممين لإنشاء مدينة أكثر تركيزًا على الإنسان إذا بدأنا في الاهتمام بالحجم البشري ويشعر الإنسان معها بالجمال لا بالتلوث البصرى.

* المراجع:
  • "Sustainable cities and communities" - "globalgoals.org".
  • "Sustainable Cities" - "unep.org".
  • "Humanizing cities" - "stories.undp.org".
  • "Humanizing sustainable development through green spaces" -"frontiersin.org".

  • تقييم الموضوع:




تابعنا من خلال

فيدو على الفيسبوك فيدو على التويتر

نشرةالدورية

© 2001 - 2001 جميع حقوق النشر محفوظة للشركة العربية للنشر الإلكتروني