نشرة الدورية

للاشتراك، أدخل بريدك الإلكتروني

لمحة عن الفن التشكيلى فى القرن العشرين
(بين التقليد والإبداع وبين الموضوعية والذاتية)
الفنان التشكيلى/ نبيل لحود
لمحة عن الفن التشكيلى فى القرن العشرين
* لمحة عن الفن التشكيلى:
- استمر الفن التشكيلى خلال عصور الفن المختلفة لمئات السنين كلغة بصرية تعتمد فى الأساس على "الطبيعة الخارجية" كمصدر ومرجع للأفكار الفنية التشكيلية، وكتقليد ثابت وموروث تقاس جودة الأعمال الفنية بالاقتراب منه وتوصف بالضحالة كلما ابتعدت عنه.

حتى أنه وصل الى تقليد ونقل غاية فى الدقة والإتقان المذهل لتفاصيل تفاصيل الموجودات كما يظهر بوضوح فى أعمال فنانى ما قبل القرن العشرين من إبراز لأدق صغائر الأشياء الحياتية مثال نسيج الأقمشة وتفاصيل الأرض والسقف وتجاعيد الوجه وخصلات الشعر وغيرها. وربما يظهر ذلك بوضوح فى أعمال فنانين مثل: "هانز هولبين" (1497 – 1543) و"فرانز هالز" (1580 – 1666) وحتى بعدها بقليل مع"فانسنت فنجوخ" (1853 – 1890) صاحب المدرسة "التأثيرية" التى لم تخرج من إطار الفن كتقليد يستلهم لوحاته من نماذج موجودة أمامه فى الطبيعة: كلوحة "غرفة نومه" و"عباد الشمس" و"الحقول المختلفة" و"صوره الشخصية" وغيرها...

فرانز هالز
"الفارس"
هانز هولبن
"السفير"
هانز هولبن
"العود"
هانز هولبن
"بورتريه"
فان جوخ
"حقول الريف"
فان جوخ
"غرفة نوم"
فان جوخ
"بورتريه ذاتى"
فان جوخ
"عباد الشمس"

كانت الطبيعة إذن هى الأم والمصدر والرحم الذى أنتج أفكار اللوحات التشكيلية فى تلك الفترة وبخاصة قبل إختراع الكاميرا الفوتوغرافية.

هكذا كان فنان تلك العصور يعتقد بأن الحقيقة الفنية موجودة "خارج" كيانه الإنسانى.. فهو يبحث عنها ويكتشفها ويسجلها كحقيقة بصرية لا تخطئها عين المتلقى.

ووصلت تلك الحقيقة البصرية إلى ذروتها بوصولنا إلى عصر النهضة الإيطالية فتكشفت قواعد المنظور والظل والنور وبدأت اللوحات تظهر ثلاثية الأبعاد. ومن شهود هذا العصر الفنانين: "مايكل أنجلو (1475-1564) و"ليوناردو دافنشى" (1452-1519) و"رامبرانت" (1606-1669).

ليوناردو دافنشى
"العشاء الأخير"
ليوناردو دافنشى
"الموناليزا"
مايكل أنجلو
"خلق آدم"
رامبرانت
"الفيلسوف"

وبالرغم من ذلك لا يمكن لأى متأمل أن يدعى أن تلك الأعمال كانت خالية من الإبداع لمجرد كونها أعمال تسجيلية لحقائق بصرية. وإنما بوسعنا أن نقول أنها كانت أعمال فنية طغت عليها الحرفة والتقنية فأبعدت الفنان عن حريته التشكيلية وسجنته فى قالب من القواعد والأصول الرصينة والألوان المحددة والمتوارثة من الأساتذة السابقين بتعليمات لا يسمح فيه للتلاميذ بالإبداع وإنما كان دائما الأصل بان يلتزم التلميذ بالمنهج الأكاديمى لإبراز الحقيقة البصرية الواقعية للحياة كما لو كانت صورا فوتوغرافية.

خلاصة القول أن الفن كتقليد كان يعنى محاولة محاكاة المرئيات فى العالم الخارجى والنقل الأمين لتفاصيلها.

ولكن عند الوصول إلى مشارف القرن العشرين بدا للفنانين حقيقة جديدة وهى أن ريشة الفنان حينما تسجل الأشياء "بالعين" دون "الوجدان" فإنها حتما تنتهى إلى مجرد عملية تسجيل تتفوق عليها الكاميرا وآلة السينما بلا منافس.

وحيث أن الفنان هو فى الأصل إنسان لديه مشاعر ووجدان وردود أفعال ومواقف متباينة فقد أصبح يعتمد على ذاتيته واعتبرها أساس جدي ومنهل صادق فى التعبير والإبداع الفنى فى الفن التشكيلى.

وبعد أن كانت اللوحة هى "لقطة واقعية" أصبحت "فكرة إنطباعية".

وبعد ان كانت "رؤية بصرية" أصبحت "رؤية وجدانية".

ويستدل على ذلك بتجربة قام بها الباحثون على رسوم الأطفال:

فقد وضعوا طفلا أمام أطفال آخرين فى سن الثانية عشرة ليرسموه فلم يهتموا إلا بالانطباع الأولى دون تدقيق ولوحظ أن عددا كبيرا منهم أخذوا يرسمون من عقولهم وعند تحليل ما رسموه وجد أن عددا منهم رسموا زميلهم واقفا مع انه كان جالسا ورسموه أيضا بوجه جانبى إلى اليسار وآخرين رسموه بوجه جانبى الى اليمين والرسوم فى مجملها غلب عليها الطابع الرمزى أكثر منه الواقعى.

وبدا أن ما رسمه كل طفل هو فى الحقيقة المضمون الفكرى والوجدانى كما يظهر فى مخيلة كل منهم، وهو ما يطلق عليه "منطق الإدراك الكلى".

وهذا المبدأ مطبق بوضوح فى الفن المصرى القديم – والفن الفارسى – والفن المكسيكى القديم.

وقد بدأ الفن الحديث فى القرن العشرين باعتناقه كمدخل لكشف الحقيقة الفنية من منظور جديد.

ودعنا نتصور مغذى الحقيقة الفنية المبنية على الإدراك الحسى البصرى وتلك المبنية على الإدراك الكلى.

لو رسمنا مثلا "المنضدة":

فاذا رسمناها وفقا للإدراك البصرى فسيظهر سطحها العلوى ووجهيها الأمامى والجانبى، أى ما نراه حين نطبق قاعدة المنظور.

أما الطفل حين يرسمها بإدراكه الكلى فسوف يجمع بين السطح والجوانب المختلفة والأرجل الأربعة فى صورة واحدة. وبحسب منطقه هو انه يرسم المنضدة بشكل أكثر شمولا كما يراها حين يتحرك حولها.. لأن الحقيقة لديه قد برزت متعددة الجوانب وكلها صحيحة.

ولهذا تحرر الفنان "بيكاسو" من الإدراك الحسى البصرى فى رسمه للوجه من زاوية واحدة، فرأيناه يرسم الوجه من أكثر من زاوية الأمام والجانب فى آن واحد، وكانت تبدو هذه المحاولات غريبة وصادمة حين بدأها خاصة لأولئك الذين تعودوا على الإدراك الحسى البصرى.

أنورا سبنس
"تمشية الكلب"
مايكل سميث
"الجمل والنجوم"
بيكاسو
"جمل"
بيكاسو
"دورا مار"
بيكاسو
"فتاة المرآة"
بيكاسو
"البهلوان"
بيكاسو
"الكلب"
بيكاسو
"الحلم"
راشيل ديكون
"القطة"

وربما أنه من هنا قد بدأ التمهيد للتحول إلى الرمزية فى الفن التشكيلى.

وبرز هنا التضارب بين ما يسمى "الحقيقة البصرية" و"الحقيقة الفكرية".

فالأولى ترتبط بميكانيزم الإدراك البصرى (ما تراه عينى)

والثانية تتعلق بالأفكار ( ما يراه وجدانى وعقلى).

والفرق بينهما كبير...

فالأولى مقيدة .. والثانية محررة.

الأولى منقولة .. والثانية مؤلفة.

الأولى ملتزمة بالأصل .. والثانية تحمل الإبداع.

..........

ولعلنا نصل بهذا التصور إلى أن القرن العشرين قد اتجه الى الحقيقة الفكرية أكثر من اتجاهه إلى الحقيقة البصرية التى قتلت بحثا وتمحيصا وتسجيلا خلال العصور السابقة.

أى إلى "المفهوم" أكثر من "الملموس". وبرزت هنا المدارس التى تدعو إلى "الرمزية" والتجريبية" و"التجريدية" و"الخداع البصرى" و"التكعيبية" وغيرها من المدارس الفنية التى قامت على أبجدية حديثة للمفاهيم والأفكار والمشاعر وبعيدا عن الأبجدية القديمة للمرئيات والمدركات الحسية الملموسة.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل الفن حقيقة موضوعية أم ذاتية؟

بمعنى هل يجب على الفنان أن يكون "موضوعى" فى ترجمة واقعه أم يكون "ذاتى" فى التعبير عن وجدانه وأفكاره؟

ونستطيع أن نجيب بسرعة عن هذا التساؤل بأن الحقيقة الفنية هى"ذاتية موضوعية" فى آن واحد

لأن الفن لو اقتصر على "الذات" دون "الموضوع" قد لا يستطيع المتلقى من الجمهور أن يدرك الرسالة الموجهة من المبدع وقد يسبب ذلك نوع من الثرثرة والغموض داخل عقل المتلقى حيث أن رسالة الفنان لابد وان تنتقل فى قوالب يعرفها الناس وتمثل بين الجميع أرضية مشتركة.

و أيضا ليس بالضرورة أن استخدام النظرة "الموضوعية" دون "الذاتية" فى العمل الفنى ان ذلك يعنى النقل الحرفى الخالى من الإبداع، وإنما الحل يكمن فى انصهار "الموضوعية" من ناحية مع "ذاتية" الفنان من ناحية أخرى.

وبهذه المعادلة المتوازنة فقط تقوم العلاقة الصحية بين المبدع والمتلقى وكلما أحكم الفنان هذه المعادلة المتوازنة كلما أدى هذا إلى راحة المتلقى والتأثير فيه. فالأعمال الفنية تنجح بقدر ما تؤثر وتستثير مشاعر الجمهور وهذا لا يتم إلا بالجمع بين الحقيقة الموضوعية من أشكال ومرئيات وبين الحقيقة الذاتية من معانى دفينة فى عقل ووجدان الفنان .. أى بين الواقع الملموس وبين الإيحاء.

وللإستدلال على ذلك دعونا نتصور أن فنان يرسم الشمس كمجرد "دائرة" دون التعبير عن وجدانه ومشاعره الذاتية تجاه تلك الشمس، فسوف تصبح الدائرة فى هذه الحالة غير محددة الخصائص وليس لها دور وقد يتوه المتلقى بين التفسيرات المجردة للدائرة أهي قمر أم كرة أم بالونة أم برتقالة؟!.

وإذا لم يضع الفنان بصمته ومشاعره ورؤيته على هذه الدائرة، فهو لا يحقق فناً وإنما ينتج أشكالاً مجردة بلا معنى ولا هدف سوى نوع من الإدعاء والتعالى.

ويجدر بك أن تتساءل هنا..

أى مشاعر تلك التى ينقلها الفنان التشكيلى؟

أنها بالتأكيد ليست كتلك المشاعر التى ينقلها لنا الشاعر أو الموسيقى أو الراقص، لأن مشاعر الفنان التشكيلى تتعلق بمعانى الأشكال التى يرصها ويحاورها وينظم بها تكوين عمله الفنى فوق سطح اللوحة.

ولهذه المشاعر "أدوات" تحركها و"قواعد" تنظمها و"لغة" تنطق بها و"معنى" يدل عليها.

ولو وصفنا طبيعة كل شكل ومعناه بشكل مستقل ومنفرد خارج نطاق اللوحة لكان ذلك وصفا جزئيا ومسطحا.

لأن الشكل يأخذ معناه وذاتيته وتأثيره من خلال السيناريو أو الإطار الموضوع فيه داخل العمل.

فمثلا إذا تناولنا شكل "المقعد" منفردا وكذلك شكل "القمر" و"الرجل" و"النافذة" لن يوحى لنا ذلك شيء يذكر لأنها خالية من المشاعر، وإنما عندما تترابط تلك الأشكال داخل مسطح اللوحة وبإيقاع وألوان وتأثيرات خاصة يضع فيها الفنان بصمته الذاتية، يطل المعنى والمضمون ويكتسب الشكل قيمته ويسهل للمتلقى التعرف على أيديولوجية العمل الفنى، كيف يفكر الفنان وما هى فلسفته ورؤيته الخاصة: وبهذا نرى المشهد متكامل.. وقد نشعر حينئذ أن "الرجل" الجالس فوق "المقعد" أمام "النافذة" المطلة على "القمر" حزينا أو متأملا أو مفكرا أو ساكنا الخ.. حسب الرسالة والمضمون الذى يقصده الفنان ويلخصه فى لحظة واحدة مكثفة جامعا بين "الموضوعية" و"الذاتية".

وقد يفسر ذلك ما سبق وأشرنا إليه فى تعريف الحقيقة الفنية بأنها "ذاتية وموضوعية" فى آن واحد.

وقد يكون الجهل بنظرية الموضوعية والذاتية تلك فى الفن التشكيلى هو المسئول عن وقوع المتلقى والدارس للفن فى فخ "الاستغراب" أو "النفور" أو الإحساس بصعوبة قراءة الأعمال الفنية.

وما يقع فيه طلبة الفنون من تضليل هو فى "الخديعة" التى يشعرون بها حينما يفسرون العمل الفنى المعروض أمامهم من ذاوية "الموضوعية" الناقلة للواقع الحرفى فقط دون أن يجتهدوا بوعى وتأمل للبحث عن انفعالات الفنان "الذاتية"، فبصرف النظر عن محتويات العمل سواء هو جسم بشرى أو حيوان أو آنية زهور، فانفعالات الفنان هى التى تشكل العلاقة والرسالة والانطباع وتمثل رؤيته الذاتية والفريدة التى قد تختلف عن رؤية فنان آخر لنفس ذات العناصر المستخدمة فى اللوحة.

فلل فنان رؤية جمالية ذاتية.

ولكل فنان مدخل جديد للتعبير عن واقعه الخارجى.

نصل بها أن الفن التشكيلى فى القرن العشرين أصبح أكثر وعيا بالحقيقة الفنية وطبيعتها على أساس أنها ليست "تقليدا" للعالم الخارجى بقدر ما هى "أفكار" و"انطباعات" و"إبداعات ذاتية"

ولكن..

يظل عالمنا العربى على شواطئ ساخنة وقضايا شائكة لمفاهيم مختلطة حول:

"التذوق الفنى" و"التربية الفنية" و"قضايا الحلال والحرام فى الفن" و"مفهوم استخدام الفن التشكيلى كعنصر أساسى فى الديكور" وانصراف المجتمع العربى عن معارض الفن التشكيلى" و"سيطرة ثقافة القبح"....

وغيرها من المفاهيم والقضايا ...

ولهذا حديث آت ذو شجون

  • ارسل ارسل هذا الموضوع لصديق

  • تقييم الموضوع:
    • ممتاز
    • جيد جداً
    • جيد
    • مقبول
    • ضعيف
  • إضافة تعليق:

تابعنا من خلال

فيدو على الفيسبوك فيدو على التويتر

نشرة الدورية

© 2001جميع حقوق النشر محفوظة لشركة الحاسبات المصرية
Designed & Developed by EBM Co. صمم وطور بواسطة شركة الحاسبات المصرية