العلاج الجيني
العلاج الجيني
* العلاج الجيني – Gene therapy:
العلاج الجيني هو ذلك المستخدم في علاج الاضطرابات المتصلة بالجينات عند الإنسان. يُعد العلاج الجيني إحدى صور الوراثة الهندسية.

والفكرة من وراء هذا العلاج هو وضع النسخة الصحيحة والسليمة من الجين الذي يوجد به خلل حيث افتقاد الخلية لوظيفته الطبيعية .. ومن هنا يكون جسد المريض قادراً على إنتاج البروتينات التي يحتاجها في هذه الخلايا المزروع فيها الجين السليم الذي حل محل الجين المشوه.

أي أن العلاج الجيني يعتمد على بدائل الجينات "إحلال الجينات" حيث يتم إحلال الجين المسئول عن المرض أو الاضطراب بآخر سليم صحي أو جين يعمل وتتوافر فيه الكفاءة للعمل .. وحينها تصبح متطلبات الجسم من الإنزيمات والبروتينات الذي يحتاج إليها متوافرة ولها فاعلية ومن ثَّم الشفاء من المرض أو العلة.
ما هو الجين؟ .. المزيد

ويتواجد الجين بداخل المادة أو الشريط الوراثي الـ(DNA)، حيث تصنيع كل ما تحتاجه الخلية من البروتينات التي تعد أساس العديد من الوظائف الحيوية بجسم الإنسان .. لذا نجد أهمية دور الجين والمأزق الكبير التي تقع فيه صحة الإنسان إذا تعرض الجين لأي خلل ما!

ونجد أن العلاج بالجينات يُطبق بشكل شائع في علاج الأمراض المتسبب فيها جين واحد مشوه، والتي يصل عددها إلى ما يقرب من 2800 مرضاً من بينها الهيموفيليا (نزيف الدم الوراثي) وضمور العضلات والتليف الكيسي (Heamophilia, muscular dystrophy & cystic fibrosis)، بالإضافة إلى محاولات جادة من جانب الباحثين للتغلب على الأمراض المعقدة المتسبب فيها أكثر من جين كما الحال في مرض السكر وأمراض القلب.
المزيد عن مرض السكرى ..
والسبب وراء الإصابة بالاضطراب الجيني هو التحور الذي يحدث في إحدى الجينات وما يحدث تباعاً من تغير في طبيعتها التركيبية وطبيعة الوظيفة التي يؤديها هذا الجين المتحور. والأمراض المرتبطة بالجينات من الممكن أن تحدث بشكل عشوائي أو قد تنتقل من جيل إلى آخر، ومن أشهر الأمثلة على ذلك جين الهيموفيليا (Haemophilia) الذي حملته الملكة فيكتوريا ونقلتها إلى أفراد عائلتها في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

توجد العديد من الصعوبات التي تواجه تقدم العلاج الجيني، وسنعرضها تباعاً.

ويحمل هذا العلاج في طياته إمكانية إحداث طفرات هائلة للعديد من الأمراض والاضطرابات التي كان يصعب شفائها في الماضي ولذا فهو يوصف بـ"علاج الحاضر والمستقبل" فدائماً يوجد الجديد فيه الذي يتم التوصل إليه يوم بعد الآخر.

العلاج الجيني هو علاج لأمراض الجينات وعيوبها.

* أنواع العلاج بالجينات:
- توجد أربعة أنواع من العلاج الجيني:
1- العلاج الجيني الداخلي حيث يتم إدخال الجين السليم في أي مكان داخل الشريط الوراثي ليحل محل الجين غير السليم الموجود داخل الخلية.
2- العلاج الجيني الخارجي الذي يتم خارج الجسم، حيث يتم إخراج الخلايا المراد علاجها خارج الجسم ثم تضع في بيئة خلوية خاصة وتضاف إليها الخلايا السليمة ثم تُعاد هذه الخلايا المُعدلة إلى جسم المريض مرة أخرى.
3- تعديل عمل الجين التالف وذلك بإيقافه عن العمل بحيث لا يفرز البروتين الذي يتسبب في إصابة الإنسان بالمرض، وذلك من خلال إدخال جزء من الـ(DNA) لا تحمل أية صفات وراثية لتتحد مع الجين التالف وتحول دون إفرازه للبروتين.
4- تنظيم عمل الجين التالف من جديد بإصلاحه ومحاوله إعادة الوظائف الطبيعية له، أي إصلاح ما تلف.

* توصيل الجينات:
- كيفية توصيل هذه الجينات إلى الجسم (Gene delivery system)؟
هناك وسيلتين لتوصيل الجينات إلى جسم المريض، وتسمى الوسيلة المستخدمة بالناقل أو الحامل (Vector)، فالحامل هو الوسيلة التي تحمل الجين السليم بداخلها وتمكنه من اختراق جدار الخلية التي يصعب عليه القيام بذلك، كما تساعد الجين على الاستقرار داخل الخلية وأن يصبح جزء منها:
1- الوسيلة الأولى هو الناقل الفيروسي، أو الاعتماد على الفيروس في إدخال الجين السليم إلى داخل الخلية التي تحمل الجين المتحور أو المشوه. والسبب وراء اختيار الفيروس هو قدرته على التحول ليصبح جزء من جينات الخلية التي يغزوها لكن بعد التخلص من جيناته الضارة حتى لا تسبب المرض للشخص واستبدالها بالجينات المطلوبة التي يقوم بغرسها داخل الخلايا (لكن هناك بعض أنواع الفيروسات باستخدامها ناقلاً من الممكن أن تصيب الشخص ببعض الأمراض السرطانية)، والسبب الثاني في اختياره كناقل الخاصية الطبيعية التي تتوافر له من القدرة على دخول الخلية لأن الجين يُعد حجمه كبير نسبياً لاختراق الخلية والنفاذ داخلها، كما أن طبيعة الجين مُحبة للماء أما غشاء الخلية فمُحب للدهون.
2- الوسيلة الثانية هو الناقل غير الفيروسي، من استخدام "البلازميد"، البلازميد هو عبارة عن جزء صغير من الحمض النووي الموجود في بكتريا مثل بكتريا إيى. كولى (E.Coli) متواجدة في الأمعاء الغليظة ومن بين أعراضها إصابة الإنسان بالإسهال الحاد، كما يتواجد في بعض أنواع الخميرة. والبلازميد شبيه بالفيروس الصغير لكنه لا يحتوى على غلاف خارجي من البروتين ولديه القدرة على التكاثر بمعزل عن باقي الكروموسومات. وهو من أشهر الناقلات غير الفيروسية.
المزيد عن الإسهال ..
3- كما فكر العلماء في تخليق جسم دهني من الخارج لكي يخترق جدار الخلية ومائي من الداخل محمل بالجينات السليمة المطلوبة .. وتُعد هذه فكرة ثالثة لناقل الجينات السليمة.

* الهندسة الوراثية:
الهندسة الوراثية (Genetic engineering) ويُطلق عليها بالمثل التعديل الوراثي، وهى التقنية التي تتعامل مع الجينات والوحدات الوراثية للكائنات الحية سواء أكانت بشرية، نباتية، حيوانية، بكتيرية أم فيروسية وذلك للحصول على بناء جيني صحيح يحل محل الجين الذي يوجد به خلل .. وتوجد وظائف أخرى متعددة للهندسة الوراثية إلا أن التعديل الجيني هو من أكثر التطبيقات شيوعاً لها ويُعرف بالعلاج الجيني.
التطبيقات الأخرى للهندسة الوراثية:
الهندسة الوراثية لها تطبيقات في كافة المجالات من حولنا، ولا تقتصر على الجانب الطبي أو العلاجي للأمراض الوراثية كما الحال في تعرضنا للعلاج الجيني بوصفه أحد التطبيقات الهامة لها .. ونجد من بين المجالات التي تُطبق فيها الهندسة الوراثية على نحو موجز هي:
- في مجال الإنتاج الزراعي، إنتاج نباتات عالية الجودة تتوافر لها خواص مقاومة الأمراض والحشرات المختلفة والمبيدات. التوصل إلى تقنيات حديثة تعمل على زيادة إنتاجية الأرض ووفرة المحصول الزراعي ... الخ
المزيد عن المبيدات الحشرية ..
- في مجال البيئة البحرية، حيث يتم استخدام تقنيات يتم من خلالها الحفاظ على الثروة السمكية والبحرية، تطبيق التعديل الوراثي على الكائنات البحرية للحصول على سلالات مهجنة جينياً. وزراعة الطحالب البحرية الكبيرة التى تستخدم فى العديد من الأغراض الغذائية والعلاجية.
- في مجال الإنتاج الحيواني، تحسين الثروة الحيوانية بإنتاج سلالات مقاومة للأمراض وتتميز بكم ونوعية جيدة من اللحوم، بالإضافة إلى زيادتها عن طريق تقنيات مستحدثة تعمل على تقسيم أجنة الماشية إلى توائم.
- في مجال الطب، وهنا تتعدد الاستخدامات العلاجية للهندسة الوراثية ومنها:
أ- العلاج الجيني.
ب- إنتاج لقاحات لمختلف أنواع الفيروسات، ومحاولة التوصل إلى لقاحات للوقاية من الحساسية.
المزيد عن أنواع الحساسية الأخرى ..
ج- الدراسات والأبحاث المستمرة لدراسة الخلل الوراثي.
د- التوصل إلى "علم هندسة الأنسجة" والتي يتم فيها زراعة خلايا من أعضاء الجسم التي حدث فشل في وظائفها في رقائق خاصة من البلاستيك مع توفير الظروف الملائمة لنموها ثم يتم زراعتها في الجسم بدون أن يرفضها .. وغيرها.
- في مجال البيئة، حيث يتم توظيفها في المقام الأول للحفاظ على البيئة من التلوث إلى جانب إعادة توظيف المخلفات حيث يُعاد تدويرها .. وبذلك يتم الاستفادة من كافة المعطيات الموجودة بها سواء أكانت نافعة أم ضارة من إنتاج بكتريا تعمل على تحليل مياه المجارى، وأخرى تقاوم تلوث البحار بمخلفات البترول حيث تعمل البكتريا هنا على القضاء على جزيئات البترول ... الخ
المزيد عن التلوث ..

* ما هو الجينوم (Genome)؟ وفك الشفرة الوراثية (Decoding gene)؟

* أمور هامة تتصل بالعلاج الجيني (تحديات العلاج بالجينات):
يحمل مستقبل العلاج الجيني في طياته الآمال لعلاج العديد من الأمراض التي من الصعب شفاؤها. إلا أنه هناك صعوبات تقف في طريق هذا المستقبل، فمن الناحية النظرية نجد أن هذا العلاج يبعث على التفاؤل إلى حد كبير لكن عملياً من الصعب تنفيذه لأنه يتكون من مجموعة من الأنشطة المعقدة والتي تتمثل في:
- الأنسجة المستهدفة (Gene targeting)، فمن الممكن أن يعمل الجين في خلايا أخرى غير تلك المستهدفة للعلاج مما ينجم عنه آثاراً سلبية.
- طريقة نقل الخلايا (اختيار الوسيلة المناسبة).
- توصيل الجين السليم إلى الأعضاء، أو استقراره في المكان الصحيح له.
- أمان الناقل (الوسيلة الناقلة)، وسيلة توصيل الجين السليم إلى الخلايا. وهى من التحديات التي تقابل العلاج الجيني حيث توصل الباحثون إلى أن الفيروسات هي من أنجح الأوعية الفعالة لزرع الجينات السليمة. فالفيروسات تغزو أجسادنا بشكل طبيعي بل وتضع شريطها الوراثي بداخل الشريط الوراثي البشرى، إلا أن هناك البعض من الأشخاص قد يصدرون استجابة مناعية ضد هذه الفيروسات - التي تمثل الأوعية الناقلة للجينات – مما يسبب الوفاة لهم بدلاً من شفائهم. كما تأتى خطورة الجين المزروع بداخل الجسم عندما يحتل الجين الطبيعي المسئول عن انقسام الخلايا ويعوق عمله وبالتالي يسبب المرض بدلاً من الشفاء كما الحال في الولدين الذي تم محاولة علاجهما في فرنسا من مرض "الهيموفيليا" حيث بدأت الخلايا المزروعة لديهم في الانقسام بشكل صعب التحكم فيها مسببة إصابتهم بمرض اللوكيميا. وإذا لم يسبب الفيروس مرضاً، فهناك احتمالية أخرى أن يسبب استثارة للجهاز المناعي.
المزيد عن اللوكيميا (سرطان الدم) ..
- فاعلية البروتين العلاجي، حيث يصدر الجسم رد فعل مناعي عند دخول أي جسم غريب إليه.
- الحاجة إلى تكرار العلاج الجيني بشكل مستمر لحدوث الانقسام السريع للخلايا .. الأمر الذي يفسر قصر عمره.
- إذا كانت هناك دلائل تشير إلى قدرة العلاج الجيني على إحداث طفرة في أمراض الجين الواحد، فماذا عن الأمراض المسئول عنها أكثر من جين كما الحال مع مرض السكر .. فعلى الرغم من وجود محاولات جادة مع أمراض الجينات المتعددة فما زالت هناك علامات استفهام عديدة توضع أمامها؟؟؟
- العلاج الجيني مكلف للغاية وهذا معناه اقتصاره على طبقة الأغنياء دون الفقراء.
- ثم يأتي الجدل حول الجانب الأخلاقي في العلاج الجيني، فهناك آراء تجتمع على ألا يتم استخدام هذا العلاج مع الخلايا التناسلية أو لتطوير خصائص الإنسان الطبيعية، أو يُستخدم في الحروب البيولوجية التي تحمل في طياتها تدميراً للبشرية بأكملها.. ويقتصر استخدامه على علاج الأمراض الوراثية أو المناعية.
وغيرها من الأمور الأخرى.
وكل الأنشطة السابقة ما زال العلماء يفتقدون إلى جزئية في فهم كل منها "أي لم يتم التوصل إلى الفهم الكامل لكل منها"، كما أن التقدم في هذا العلاج يحدث ببطء.

* تاريخ العلاج الجيني وتطبيقاته:
في عام 1953، توصل كل من العالمين "واسطون وكريك/Waston & Creek" إلى الشكل اللولبي المزدوج للشريط الوراثي (Double-helix model) .. ثم ظهرت بعض ذلك مفاهيم عدة متصلة بالجينات والكروموسومات. وكل هذا فتح المجال الجديد لإمكانية علاج الأمراض الوراثية المختلفة. وشهدت البحوث في مجال الجينات البشرية تطوراً سريعاً في الثمانينات.
أول إنسان بشرى تلقى علاجاً جينياً كانت طفلة في سن الرابعة من عمرها (غير معروف اسمها) من الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت تعانى من عدم قدرة جسدها على إنتاج إنزيم (Adenosine deaminase/ADA) المستخدم في عملية التمثيل الغذائي مما ترتب عليه ضعفاً في جهازها المناعي .. ولذا أصبحت عرضة للإصابة بالعديد من الأمراض. تلقت الطفلة علاجها الجيني في 14 سبتمبر عام 1990 في المركز القومية للصحة "بماريلاند" على يد الدكتور "دبليو.فرينش أندريسون/W.French Anderson" وزملائه في المركز الصحي، حيث تم استخلاص خلايا الدم البيضاء من جسم الطفلة وبعد زراعة الجينات التي تنتج إنزيم (ADA) تم إعادة هذه الخلايا لجسدها مرة أخرى .. وكانت النتيجة تحسن الجهاز المناعي بجسد الطفلة.
ومنذ ذلك الحين استمرت المحاولات المتعلقة بالعلاج الجيني للتغلب على أمراض عدة، من بينها مرض سرطان الجلد "الميلانوما" بالإضافة إلى محاولات عدة لعلاج التليف الكيسي الذي يؤثر على ممرات الهواء بالجهاز التنفس .. إلا أن استخدام العلاج بالجينات في هذه الحالة معقد للغاية.
الشهر العالمى للتوعية بسرطان الثدى ..

أ- حاضر العلاج الجيني:
- مرض التليف الكيسي (Cystic fibrosis):
هذا المرض من الأمراض الوراثية الخطيرة جداً، ينجم عن خلل فى إحدى الجينات .. هذا الخلل بدوره يؤدى إلى تكون طبقة كثيفة من المخاط على جدار أعضاء الجهاز الهضمي والممرات الهوائية .. ومن ثَّم خلل في إفراز الجسم للإنزيمات الهاضمة وعدم امتصاص المواد الغذائية بكفاءة، أما الجهاز التنفس فيصاب بالعدوى التي تودي بحياة الإنسان من جراء هذا المرض.
ويقدم العلاج لهذا المرض عن طريق توصيل نسخة سليمة من الجين وذلك عن طريق الاستنشاق.

- مرض ضمور العضلات (Degenerative muscles):
هناك دراسة حديثة تم إجراؤها مؤخراً بجامعة "ستانفورد/Stanford" بكلية الطب حول إمكانية التوصل إلى علاج للضمور الذي يلحق بالعضلات من خلال زيادة كتلتها مرة أخرى باستخدام العلاج الجيني.
فقد قام الباحثون بزرع جين سليم ليحل محل الجين المسبب لضمور العضلات، وقد تم إجراء التجربة على الفئران. وقد صرح الدكتور/توماس راندو" الأستاذ المساعد – بطب الأعصاب بالتالي: "هذا الاكتشاف ليس بالجديد، فالعلماء قد توصلوا إليه من قبل من خلال التجارب المعملية العديدة .. وكانت أولى العوائق التي قابلتهم لتطبيق هذا العلاج الجيني على العضلات هو كيفية توصيل الجين لخلايا العضلات في الجسم بأكمله، والعائق الثاني هو كيفية إقناع هذه الخلايا أن تقوم بشكل دائم بإنتاج البروتين العلاجي الذي تفرزه هذه الجينات".
إلا أن الشيء المثير للتفاؤل فئ هذا العلاج أن تأثيره يدوم لأمد طويل للعديد من الاضطرابات المرتبطة بالجينات بما فيها ضمور العضلات.
واضطراب ضمور العضلات هو الاضطراب الذي يحدث فيه انحلال لخلايا العضلات ويحل محلها الدهون، وينتهي الأمر بمريضها إلى الجلوس على الكرسي المتحرك وإصابته بالإعاقة وعدم القدرة على المشي .. وفى النهاية الموت في سن مبكرة في العشرينات من عمره .. لا توجد طريقة فعالة حتى وقتنا هذا لعلاج مرض ضمور العضلات .. لذا يعد العلاج الجيني أملا كبيراً لهؤلاء المرضى على الرغم من وجود بعض العوائق أمامه ليدخل حيز التطبيق على العنصر البشرى.
وقد أكد "راندو": "لكي يصبح العلاج الجيني علاجاً فعالاً لضمور العضلات لابد من أن ينتج الجين المقدم للجسم كم كافٍ من بروتين (Dystrophin) لكي يعالج كافة الخلايا المشوهة".

ب- مستقبل العلاج الجيني:
- مستقبل الصلع:
الصلع هو من أكثر الحالات التي ترتبط بموضوع الجينات، وربط تساقط الشعر بالعامل الوراثي ليس فيه شيء حديث على الإطلاق، ولكن الجديد في مجال الأبحاث العلمية هو التوصل إلى الجين المسبب لتساقط الشعر، حيث توصل باحثون في أوربا بجامعتي "بون ودوسلدروف" بألمانيا إلى الجين المسبب للصلع عند الرجال حيث تم إجراء دراسة على ما يقرب من 500000 وضعاً للجينوم البشرى وتم اكتشاف المتغيرات الجينية التي تكررت حدوثها عند الرجال الذين أصيبوا بالصلع وكانت المتسببة في تساقط الشعر لديهم.
المزيد عن الصلع ..
المزيد عن الصلع عند المرأة ..

العلاج الجيني مازال في بداياته .. وهناك محاولات جادة من جانب الباحثين في هذا المجال.

ولعهد قريب، كان العلماء يعتقدون بأن مستقبلات الأندروجين التي يتم وراثتها من الأم هي سبب مشكلة الصلع. لكنه تم التوصل إلى تأثير كروموسوم يتم وراثته من كلا الأبوين. وقد أعرب الدكتور "فليكس بروك شميدت/Felix Brockschmidt" بجامعة "بون" إننا الآن نعمل جاهدين لاكتشاف الدور الذي يلعبه الجينوم في نمو الشعر، وعندها فقط سنعلم ما إذا كنا نسير على المسار الصحيح للعلاج الجديد لصلع الرجال".
وقد نجح العلاج الجيني بالفعل في إعادة نمو الشعر عند بعض الرجال الذين أصيبوا بالصلع، إلا أن الأبحاث الجديدة تعمل على الاقتراب من العلم أكثر وأكثر لاكتشاف علاج للصلع وذلك من خلال فهم كيف يحدث تساقط الشعر من أجل التوصل إلى حلول أفضل مما تم التوصل إليه الآن.
ويشير بحثاً حديثاً إلى أن الجين المسئول عن تساقط الشعر يسبب الصلع يعوق إنتاج نوع من البروتينات مما يؤثر على عملية نمو الشعر.
وقد نجح بحثاً تم إجراؤه بـ"جامعة جونز هوبكينز ومؤسسة كيندي كريجر البحثية" من استرجاع نمو الشعر عند فأر أصلع من خلال محاكة الجين المسئول عن نمو الشعر، حيث تم تقديم الشريط الوراثي الجديد إلى الخلية المضيفة والذي يحتوى على جينات محددة. ثم استخدمت الخلية المضيفة هذا الشريط الوراثي لإنتاج الجين المرغوب في الحصول منه على وظيفة محددة بعينها، وفى حالة فقدان الشعر يكون إنتاج بروتينات نمو الشعر.
فالعلاج الجيني هو مستقبل استعادة الشعر المفقود للشخص المصاب بالصلع .. أما حاضر علاج الصلع فمتمثل في جراحة زراعة الشعر وغيرها من الطرق الأخرى المتعارف عليها.
المزيد عن زراعة الشعر ..

- مستقبل أمراض العين واستعادة الرؤية:
أمراض العين منتشرة بين العديد من سكان العالم، والكثير منها يؤثر على حدة الرؤية والإبصار، إلا أن التقدم الذي أحرزه البحث العلمي في مجال مكافحة أمراض العين والسيطرة عليها شهد تقدماً ملحوظاً وخاصة بعد التوصل غير المتوقع للثورة الجينية المرتبطة بفك شفرة الجينوم البشرى والتي وجد من خلالها آمل لهؤلاء ممن يعانون من ضعف بصري – بالإضافة إلى اكتشاف دور فيتامين (أ) في الحفاظ على حاسة الإبصار والجهاز البصري.
اكتشاف جديد
في الثلاثينات، توصل الباحث "جورج والد/George Wald" إلى الدور الحيوي لفيتامين (أ) في الحفاظ على حاسة الإبصار عند الإنسان لكن الاتصال الوثيق بين النظام الغذائي الذي يسلكه الشخص وبين الرؤية لديه تم التوصل إ‘ليه من قرون مضت على يد القدماء المصريين الذين شخصوا العمى الليلي على أنه عرضاً للنظام الغذائي الضعيف. وخلال الحرب العالمية الأولى ربط الباحثون العمى الليلي الغذائي بنقص فيتامين (أ).
المزيد عن التركيب التشريح للعين ..
لكن لماذا يسبب نقص هذا الفيتامين ضعف في قوة الإبصار عند الإنسان؟
قام الباحثون في وقت سابق بعزل الصبغة الأرجوانية (Rhodopsin) من خلايا العصب الحساس للضوء في الشبكية الهامة والضرورية لرؤية الإنسان ليلاً. وقد اكتشف "والد" أن هذه الصبغة تتكون من كل من البروتين والمواد الكيميائية التي تعمل على امتصاص الضوء والتي لها علاقة وطيدة بفيتامين (أ)، بل وقام أيضاً بتحديد دورة الرؤية الأساسية لحاسة الإبصار. أولا يقوم الضوء بفصل جزيئات فيتامين (أ) من البروتين ثم يقوم بتغيير شكلها مؤدية إلى تحفيز الإشارات العصبية من العين لمراكز المخ الأعلى. وبعدها يُعاد تدوير جزيئات فيتامين (أ) – يتم استعادة شكلها الأصلي وتتحد من جديد مع شريكها البروتين. وقد أظهر البحث أن استعادة فيتامين (أ) ضروري لامتصاص العين المستمر للضوء .. وتوصل "والد" إلى هذا الاكتشاف مكنه من الحصول على جائزة نوبل.
جينات أمراض العين:
على الرغم من البحث الذي قام بإجرائه "والد" وآخرون لأكثر من 70 عاماً مضت، فإن فك شفرة الجينوم البشرى مؤخراً ساعد في تحديد كيفية تأثر الرؤية بمختلف الأمراض، وفى العشرين عاماً الماضية توصل الباحثون إلى أكثر من 400 جين لهم دخل في إصابة الإنسان بأمراض العين، وهذه الاضطرابات الوراثية المرتبطة بالعين يكون الجزء الأعظم منها سببه الخلل الجيني – ما يقرب من 1/5 هذه الجينات تتصل بأمراض العين. وبإلقاء الضوء على السبب الجيني في الإصابة بالأمراض فقد فتح هذا البحث الباب أمام إمكانات جديدة للعلاج لكثير من الاضطرابات التي كان لا يوجد لها علاج من قبل.

* أحدث ما توصل إليه العلاج الجيني:
التوصل إلى الجين الذي يسبب عمى في مرحلة الطفولة.
هناك مجموعة من أمراض العين الجينية التي تؤثر على حاسة الإبصار عند الأطفال الرضع والصغار والمعروفة باسم (Leber congenital amaurosis/LAC) ، وهى من بين الأسباب الشائعة من فقدان البصر الخلقي عند الأطفال، والأطفال الرضع المولودة بهذا المرض الجيني تولد بإعاقة بصرية تزداد أعراضها سوءً عند الوصول إلى مرحلة الطفولة مؤدية إلى العمى الكامل لهم عند البلوغ وتقدم العمر بهم.
المزيد عن مرحلة البلوغ ..
وقد توصل العلماء إلى تحوراً يحدث في (13) جيناً قد ينجم عن كل واحد منهما مرضاً من هذه الأمراض الجينية. وإحدى أشكال أمراض العين (LAC) يسببه تحور في جين (RPE65) وهو وثيق الصلة بفيتامين (أ) ودورة الرؤية. وقد توصل الباحثون إلى هذا الجين في عام 1993، تلاه بفترة وجيزة اكتشاف التحور الذي يحدث به وصلته بالاضطراب يصيب العين، وبما أن هذا يعد الجين الثاني المسئول عن أمراض العين الجينينة فقد أعطوا اسماً جديداً للمرض المرتبط به ليصبح (LAC2).
ما مدى أهمية جين (PRE65) لحاسة الإبصار؟ ومن أجل الإجابة على هذا السؤال قام الباحثون بإجراء الاختبارات المعملية على بعض الفئران والتي تفتقد إلى هذا الجين، وقد اكتشف الباحثون أن هذه الفئران تعانى من خلل بالرؤية لديها لأنهم غير قادرين على إعادة تدوير فيتامين (أ) في دورة الرؤية.
فبدون جزيئات فيتامين (أ)، فإن الصبغة الأرجوانية السابقة لن تتكون وفى غياب هذه الصبغة فإن الخلايا المستقبلة للضوء لن تستطيع إصدار استجابة للضوء. وعليه كانت توصيات الباحثين بأن الأشخاص التي تعانى من الاضطرابات الجينية المرتبطة بالعين (LAC2)تتوافر لديها آلية الرؤية بكافة خطاتها، وكل ما يحتاجون إليه أو يفتقدونه هو النسخة السليمة من جين (PRE65) من أجل إعادة بدء دورة الرؤية.
وقد طر الباحثون طرق توصيل النسخ السليمة لتحل محل الجينات المشوه في الجسم لتصحيح بعض الاضطرابات الجينية. وبالنسبة للجين (PRE65) فقد اختار الباحثون فيروسات مثل فيروسات الأنفلونزا ونزلات البرد الشائعة من أجل توصيله إلى مستقبلات الضوء بالجسم، وقد وقع اختيار العلماء على فيروسات غير ممرضة للشخص حيث انتزاع الجزء غير النشط منها واستخدامها كحامل للجين السليم، وبعد نقل الجين البشرى (PRE65) إلى الفيروس يتم تحضيره لاختبار صورته المُعدلة- عامل العلاج الجيني (PRE65).
المزيد عن الأنفلونزا ..
المزيد عن نزلات البرد الشائعة ..
كما توصل البحث إلى أن النشاط الرياضي يدعم الوظائف الإدراكية عند الشخص ويحمى الإنسان من الإصابة بالعته والأمراض المتصلة بضمور الأعصاب .. أي أن خطاً واحداً من الاكتشافات أظهر أملاً لحالات أخرى.
وقبل اختبار عامل العلاج الجيني على الإنسان يتم اختباره أولاً من حيث الفاعلية والأمان على الحيوانات. حيث تم البحث بالفعل عن حيوان وتم العثور على كلب يعانى من حالة مشابهة لـ(LAC2)، وقام الباحثون بحقن عين الكلب المريض بالجين المُعدل الذي يحمل (PRE65)، وبمجرد تلقى الكلب لعلاج الجيني فقد بدأ يتصرف الكلب وكأنه يرى رؤية جيدة وهو على خلاف ما كان يحدث في الماضي نتيجة لوجود خلل في قوة إبصاره، وبدأت عيناه تستجيب للضوء وأصبح يمشى ويمر بين العوائق التي توجد في طريقه بعد أن كان يتخبط بها أثناء سيره لعدم رؤيته إياها.
في عام 2007، وبعد مرور 14 عاماً من استنساخ الجين (PRE65) وبعد مرور 70 عاماً من اكتشاف صلة الصبغة الأرجوانية بفيتامين (أ) الذي يؤثر على حاسة الإبصار، قام الباحثون باختبار عامل الجين العلاجي على الإنسان البشرى المريض بـ(LAC2)، وبخلاف ما يحدث مع غالبية الأدوية التي يداوم المريض على أخذها بشكل منتظم فإن العلاج الجيني يستمر لفترات أطول وهذا معناه أنه بتلقي علاجاً واحداً من الجين (PRE65) قد ينجم عنه تحسن في الرؤية طويلة الأمد.
وفى الدراسات المبدئية التي تم إجراؤها على البالغين الصغار في السن ممن يعانون من (LAC2) فقد أوضح الباحثون أن العلاج الجيني يظهر تحسن في الرؤية لديهم أيضاً. فبعد تلقى العلاج، كان اثنان من المشاركين غير قادرين على رؤية اليد التي تلوح أمامهم، إلا أنهم يستطيعون رؤيتها الآن بدون أي إشارة لهم، كما ظهر تحسن ملحوظ في حاسة إبصار أحد الشخصين بقدرته على رؤية الكلام الصغير من خلال نظارة مكبرة.
وتشير كل هذه الأبحاث والدراسات إلى توجه جديد في علاج أمراض العين الوراثية .. والأمر المثير للتفاؤل أكثر أن تأثيرها يمتد إلى ما وراء العين.
فكل يوم يمر، تكتشف الأبحاث التي تُجرى في المعامل في مختلف بلدان العالم العمليات البيولوجية والكيميائية المختلفة في جسم الإنسان كما الحال مع اكتشاف "جورج والد" لدورة الرؤية. وبهذه المعلومات تم تحديد الجينات التي يحدث بها تحوراً مسببة أمراض العين المختلفة المرتبطة بها، وأصبح خيارات العلاج الآن متاحة والتي تم التحول من خلالها من مرحلة التشخيص إلى مرحلة العلاج.

* الخلاصة:
وعلى الرغم من التقدم الحالي والأبحاث المستقبلية للعلاج الجيني .. إلا أنه لابد من فهم أنه لا يوجد علاج محدد بعينه للأمراض، وأن الطبيعة المختلفة للأمراض المتباينة تجعل من الهام والضروري التغلب على العوائق الفنية والطبية الجديدة التي تطرأ مع كل مرض جديد يتم اكتشافه.
وهناك أمر هام آخر ينبغي الالتفات إليه مع العلاج الجيني هو ضرورة إجراء الاختبارات الدورية المتعلقة بها - والتي ينبغي أن يخضع لها الشخص لتفادى الأمراض مستقبلاً. فعلى الرغم من أن التحورات الجينية قد تصيب الطفل الحديث الولادة بالعديد من الأمراض والاضطرابات، إلا أن هناك بعض التحورات التي تحدث في مرحلة لاحقة من عمر الإنسان والتي تزيد معها فقط احتمالات إصابته ببعض الأمراض مثل مرض سرطان الثدي عند الإناث. وهنا تكمن إمكانية تفادى الإصابة بالمرض مع هذا النمط الثاني من التحورات إذا تم إجراء الاختبارات الجينية التي تكشف قابلية الشخص لحدوث التحورات معه من عدمها، وهذا لا يعنى حتمية الإصابة بالمرض وإنما ارتفاع احتمالات الإصابة به ومثالاً على ذلك السيدات التي تتحور جيناتها المتصلة بمرض سرطان الثدي تزداد نسب إصابتها بهذا المرض إلى 80% عند الوصول لسن 65 عاماً.

من أجل وضع العلاج الجيني حيز التنفيذ، هناك أساسيات واجب توافرها:
- توافر الجين العلاجي الملائم.
- توافر الناقل سواء أكان ذلك ناقل فيروسي أم غير فيروسي (توصيل الجينات).
- لضمان فاعلية العلاج، وضمان أمان الطريقة المستخدمة وفاعليتها لابد من تحديدها مسبقاً لدراستها جيداً ودراسة منافعها وآثارها الجانبية.

الخطوات الواسعة التي تخطو بها التكنولوجيا والمعلومات التي تتراكم يوماً بعد يوم عن كيفية عمل أعضاء الجسم البشرى تجعل من غد العلاج الجيني غداً مشرقاً يبعث على التفاؤل والأمل للمرضى.

  • تقييم الموضوع:




تابعنا من خلال

فيدو على الفيسبوك فيدو على التويتر

نشرةالدورية

© 2001 - 2001 جميع حقوق النشر محفوظة لشركة الحاسبات المصرية
Designed & Developed by EBM Co. صمم وطور بواسطة شركة الحاسبات المصرية