السجن .. ودوره الإصلاحى المفتقد
السجن .. ودوره الإصلاحى المفتقد
* تعريف السجن ومكوناته:
السجن هو ذلك المكان المغلق المنعزل عن المجتمع يقيم فيه الشخص المذنب والذى يُحرم من ممارسته لحريته فيه لتنفيذ العقوبة التى أصدرتها المحكمة بقرار من القاضى لارتكابه انتهاكاً أو جريمة ما بحق مجتمعه بخروجه عن القواعد القانونية والاجتماعية، كما قد توجد به بعض المرافق الحيوية والترفيهية للمساجين التى تختلف من سجن لآخر وفق هيكلته ونظام الإدارة المتبعة فيه.

والشخص المذنب الذى ثبتت التهمة ضده هو الذى يقضى فترة العقوبة فى السجن، فى بعض البلدان الأشخاص المتهمة والتى لم تثبت التهمة ضدهم يمثلون الغالبية العظمى من المحتجزين فى السجون وهذا الحال ينطيق على الدول المتقدمة، أما فى البلدان غير المتقدمة يكون العكس أى النسبة الأقل تكون من غير المدانين فى الحبس التحفظى والنسبة الأكبر فى الحبس الدائم.
فى أواخر القرن الثامن عشر كانت السجون هى لاحتجاز الذى يدينون بالأموال أو من يقترفون الجرائم البسيطة وينتظرون المحاكمة أى كانت السجون لغرض للتحفظ على مشتبه به حتى إتمام تحقيقاتها، ثم تطور مفهوم السجون للعقوبة الذى أصبح يقتصر بشكل كبير على الجرائم الكبيرة لأنه مع تطور القوانين والعقوبات أصبحت هناك الغرامات والخدمة الاجتماعية كنوع من أنواع الجزاءات والتى لم تصبح مقتصرة على السجن فقط بوصفه جزاء أو عقوبة.

والعناصر الأساسية المكونة للسجون، تشتمل على:
أولاً المكان - لابد وأن يكون للسجن مكاناً يقضى فيه المحكوم عليهم بمختلف الأحكام القانونية مدة العقوبة المقررة لهم ولابد وأن تتوافر فيه المواصفات الأمنية وأن يشتمل على كافة المرافق اللازمة للحياة البشرية بداخله من حيث المساحة الملائمة والتهوية والمرافق الصحية والخدمات التعليمية والتثقيفية والرياضية للمساجين.

السجن .. ودوره الإصلاحى المفتقد

ثانياً الأفراد المتواجدون فى هذا الحيز المكانى- وهنا لا يتمثل العنصر البشرى فى السجناء فقط وإنما فى أفراد الأمن الذى يقومون بحراسة السجون وإدارتها والقائمين بالخدمات داخلها والأطباء والأخصائيين الاجتماعيين والفنيين .. وغيرها من مختلف التخصصات التى يتم الاحتياج إليها بداخل هذا المكان.

السجن هو نوع من أنواع العقوبات تسلب الإنسان حريته بوضعه فى مكان يتحدد فيه إقامته ولا يتم توقيع مثل هذه العقوبة إلا بمقتضى القانون.

* ما هو الفرق بين الحجز والسجن (Jail and prison)؟
- الحجز (Jail):
عندما يكون هناك اشتباه فى شخص لاقترافه جريمة ما يتم التحفظ عليه فىما يُسمى بالحجز حتى ‘تمام التحقيقات وهو ما يسمى بالحبس الاحتياطى أو التحفظى و ولا يكون دائماً لأنه لم يُدان الشخص.
- السجن (Prison):
أما بعد بعد الإدانة وثبوت التهمة على الشخص بعد التحقيقات والمحاكمة القضائية يتحول الحبس الاحتياطى أو التحفظى إلى دائم وهو الحكم عليه بالسجن والإقامة فيه وفق الحكم الصادر ضده.

* الغرض من إقامة السجون:
هناك العديد من الأسباب المقبولة لاستخدام نظام السجون وإقامتها:
وأولى هذه الأسباب هو البحث عن واكتشاف الأشخاص التى تقترف الجرائم، وتقويم سلوكياتهم بحي لا يعاودون اقتراف الجرائم بعد خروجهم من السجن.
والسبب الثانى هو عزل الأشخاص التى اقترفت جرائم كبيرة بحيث لا تشكل خطراً على الأفراد والمجتمع.
المزيد عن العزلة الاجتماعية .. والانفصال عن الآخرين ..
والسبب الثالث هو الإصلاح وتقويم سلوكيات
المنحرفين وإعادة تأهيلهم اجتماعياً وسلوكياً لحماية المواطنين وحفظ الأمن وتنظيم العلاقات بين الأفراد فى المجتمع الواحد.
المزيد عن الجريمة ..

* تاريخ نشأة السجون:
إن السجن بأبنيته الخاصة التى تتواجد الآن لم يُعرف إلا فى العصر الحديث، حيث كان يتم احتجاز الشخص الذى يُراد إنزال العقوبة به فى قلعة أو حصن أو فى مكان بعيد عن الناس. وكان فى القديم يرجع الفلاسفة الأعمال الإجرامية أو الخاطئة إلى الأرواح الشريرة التى تتقمص داخل جسد المجرم وتحثه على القيام بارتكاب الجريمة، لذا كانت وسيلة العقاب هى القيام يتعذيب المجرم من أجل طرد الأرواح الشريرة من جسده والتخلص من جريمته أى أن العقاب فى البداية كان عقاب بدنى ثم أخذت الوسائل العقابية تتطور ويتطور معها شكل المكان الذى يتم فيه احتجاز المذنب وإنزال العقوبة به.

ثم تطور مفهوم السجن فى العصور القديمة وكانت العقوبة التى توجه للفرد المخطىء بهدف الانتقام الفردى أى أن الانتقام يتم بين فرد وفرد - انتقام المجنى عليه من الجانى - ثم تطور ليأخذ شكل الانتقام الجماعى ليكون حكم القبيلة أو العشيرة بإنزال العقوبة بالجانى كما تقرر.

ثم تأتى العصور الوسطى ليتطور الغرض من السجون جيث كان الهدف من العقوبة هو التطهير من الذنوب، وأيضا لم تكن لم الدولة مهتمة بالسجون وكان القائمين عليها أفراد عاديون لا يحصلون على رواتب ويأخذون مصاريفهم من السجناء مقابل السماح لهم بزيارة ذويهم لهم. ولم تكن سجون بالتصنيف الحالى المعمول به، ولم تكن هناك رقابة أو خدمات أو أطعمة تقدم للسجناء، فمن كان من السجناء تتوافر لديه المقدرة المالية يُقدم الطعام له لكن الفقير لا يجد ما يأكله .. وكان لا يوجد فصل بين الجنسين من السجناء مما أدى إلى تفشى الأمراض والأوبئة.

وكانت السجون خلال عهد الإقطاع فى الدول الأوربية لا يقومون باحتجاز الأشخاص سوى فترات قصيرة لا تتعدى بضعة أشهر أى أن وظيفة السجن كانت ثانوية وليست عقابية بمفهومها الحالى، وبقدوم القرن السابع عشر شهد العقاب مرحلة انتقالية باستخدام عقوبة الحبس كعقوبة جنائية وبدأت أوربا وأمريكا ببناء السجون ودور الإصلاح.

أما السجن لدى العرب فى العصور القديمة كان عبارة عن تدبير وقائي يحتجز بموجبه السجين في مسجد أو دهليز وذلك حتى يحاكم ويتم إنزال العقوبة الجسدية عليه وهى العقوبة السائدة فى ذلك الوقت فى المجتمع العربى، وكان يوكل إلى المدعي أمر حراسة السجين لمنعه من الفرار والاختلاط بالناس.

لتأتى العصور الحديثة بعدها وتتحول مفهوم العقوبة إلى التهذيب والإصلاح حيث يُنطر إلى الجانى على أنه شخص عادى وليس مجرم لكنه غير منضبط اجتماعياً وأخلاقياً وبحاجة إلى تقويم، مما أدى إلى تطور مفهوم العقوبة وتطور مفهوم السجن كمؤسسة إصلاحية مرتبطة بهذا المفهوم الجديد الإصلاحى.

أما المرحلة المعاصرة استمر مفهوم العقوبة فى التطور نتيجة لتطور العلوم فى مختلف الميادين مثل علم الإدارة وعلم الاجتماع وعلم القانون التي أثرت جميعها في النظرة إلى التجريم والعقاب والسياسة الجنائية بشكل عام، حيث أصبحت النظرة إلى الجاني بأنه فرد اجتماعي وقع في شراك الجريمة والسلوك المنحرف نتيجة لظروف وعوامل مكتسبة وينبغي على المجتمع أن يعمل على إصلاحه وتهذيبه لإعادة دمجه في المجتمع.

* أنواع العقوبة وما هو ارتباطها بالسجون؟
العقوبة هى ذلك الحكم القضائى الذى تصدره الجهة المختصة المتمثلة فى القضاء بإقامة الدليل الذى يثبت مسئولية المتهم عن الجريمة المنسوبة إليه.
وكما سبق وأن اشرنا أن العقوبة هى من أجل تصحيح الخلل حتى لا تعم الانحرافات المجتمعات وتسود فيها بدون رادع، وتتنوع العقوبات بتنوع الأخطاء التى تكون ما بين مخالفات وانحرافات وجرائم.
تصنيف العقوبات:
العقوبات البدنية تلك التى تتصل تطبيقها بجسد الإنسان مثل الجلد أو الضرب وقد تصل إلى عقوبة الإعدام.
العقوبة المالية وقد يُطلق عليها أيضاً عقوبة الغرامة، وهنا يلتزم المحكوم عليه وفق حكم قضائى بدفع مبلغ مالى مقابل الانتهاك الذى قام به إلى خزانة الدولة، وتتمثل العقوبات المالية أيضاً فى مصادرة الممتلكات.
العقوبة السالبة للحرية وهى موضوع حديثنا بأن تحدد إقامة الإنسان فى مؤسسات عقابية ألا وهى السجون.

السجن .. ودوره الإصلاحى المفتقد

التدابير الاحترازية، هى مجموعة من الإجراءات القانونية يقرها القاضى على من ارتكب الجريمة إلى جانب عقوبته الأصلية حتى لا يُقدم على أية أفعال إجرامية أخرى وخاصة إذا ثبت أنه خطر على السلام العام، والهدف منها القضاء على ظاهرة العودة إلى الجريمة.
ومن بين التدابير الاحترازية:
- الإسقاط من الولاية أو الوصاية بحيث يسقط عن المحكوم عليه بحكم جنائى ممارسة دور الوصاية على القاصر أو اليتيم فى إدارة شئونه وممتلكاته.
- المنع من مزاولة المهنة أو أحد الأعمال مثل الصيدلى الذى يغش فى تركيب الأدوية يُحرم من مزاولة مهنته كصيدلى.
المزيد عن الصيدليات ..

- الحرمان من حمل السلاح، وذلك بحرمان الشخص من حق حصوله على ترخيص حمل سلاح أو سحب الترخيص منه إذا كان قد حصل عليه بالفعل.
- التدابير الاحترازية التى لا تخص الأفراد ويُطلق عليها التدابير الاحترازية العينية من مصادرة أموال أو ممتلكات أو فى دفع اكفالة احتياطية أو فى غلق محل.
- الإخراج من البلاد، وتطبق على الأجنبى متى ثبت فساده وسوء سلوكه وعدم استحقاقه للضيافة.
- الحجز فى مأوى احترازى، وهنا يكون للأشخاص الذين يعانون من الأمراض النفسية والعقلية أو مدمنى العقاقير بأن يودعوا فى مصحات ومستشفيات علاجية.

* أنواع السجون:
تصنيف السجون من حيث اختلاط المساجين:
أ- السجون المغلقة (المشتركة):

وهى حياة السجن التى يعيش فيها السجناء حياة مشتركة ليلاً ونهاراً، وهى من الأنظمة الأكثر انتشاراً فى السجون، وتتمثل مساوىء هذا النظام فى اختلاط السجناء بكافة فئاتهم وأخلاقهم.
ب- نظام العزلة:
وهو أن يتواجد السجين فى زنزانة بمفرده ولا يتواجد معه شخص آخر، ومن مساوىء هذا النظام الانعزال التام للسجين مما يضع عليه ضغوط نفسيه وعدم تربية السجين ليكون صالح اجتماعياً.
ج- النظام المختلط:
وهو النظام الذى يجمع بين النظام المغلق وهو اختلاط المساجين نهاراً، ثم عزلهم ليلاً كل فى زنزانة مستقلة.
د- السجن شبه المغلق:
حيث تطبق فيه الثلاثة أنظمة السابقة للسجون من حيث اختلاط المساجين: فترة قصيرة يتم فيها تطبيق نظام العزلة للسجين ليلاً ونهاراً، ثم يعقبها تطبيق النظام المختلط نهاراً بحيث يتم اختلاط المسجون مع بقية المساجين دون التحدث معهم ثم يطبق نظام العزلة عليه ليلاً .. وقبل انقضاء مدة العقوبة إذا كان سلوكه حسناً يتم السماح للسجين بالخروج من السجن للبحث عن عمل تحت شرط ما حتى يتم الإفراج عنه نهائياً.
هـ_ السجن المفتوح:
وهذه السجون لم تُعرف إلا فى أواخر القرن التاسع عشر ولم يتم العمل بها إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد أتت الفكرة بأنه لابد وأن يتم التعامل مع المذنب غير المقترف جريمة خطيرة بأنه إنسان طبيعى لابد وأن يتلقى قدر من الاهتمام والإصلاح حتى لا يزداد جرمه، ومن هنا جاءت فكرة بناء السجون فى أماكن عادية فى الريف أو فى أماكن صناعية حيث يتم بنائها على شكل معسكرات بلا أسوار أى يغيب عنها شكل السجن التقليدى، ويتم إنزال السجناء فيه غير الخطرين والمحكوم عليهم بعقوبات قصيرة الأمد والهدف هو الاستفادة من السجناء فى العمل وإعادة بناء الثقة لديهم .. وقد ينطوى هاذ السجن على إحدى المساوىء وهو إمكانية هروب السجناء منه.

- تصنيفات أخرى للسجون:
تصنيف وفق النوع
تصنف السجون إلى سجون للإناث وسجون للذكور.

السجن .. ودوره الإصلاحى المفتقد

تصنيف وفق الإدانة
هناك العديد من البلدان التى تقسم السجون إلى وحدتين وحدة تضم السجناء قيد المحاكمة والذين لم تتم إدانتهم بعد، والوحدة الثانية تضم السجناء الذى تم إدانتهم بالفعل وتم الحكم عليهم بعقوبات قضائية.

تصنيف وفق الإجراءات الأمنية
تُصنف السجون طبقاً لمتطلبات الأمن المطلوبة للسجناء والمجرمين المحتجزين بداخلها. وهذا التصنيف يختلف من بلد لآخر، لكن هناك نمطان لا يخرج عنه هذا التصنيف سجون البلدان النامية تصنف السجون وفق التوزيع السكانى لها ووفقاً لمتطلبات الأمن التى تضمن إحكام السيطرة على السجناء ومنعهم من الهرب.
أما البلدان المتقدمة فتصنف السجون بدءاً من السجون التى تخضع للإجراءات الأمنية الصارمة التى تحتجز السجناء الذين يتميزون بالعنف ولديهم مقومات إجرامية كبيرة ومحاولات للهرب وصولاً إلى المذنبين غير الخطرين الذين لا يحتاجون إلى إجراءات أمنية حازمة.
لذا نجد أن تصميمات السجون تنصب على التصميم الذى يقدم السيطرة الكاملة على السجناء لضمان عدم هروبهم منها، فنجد السجن محاط بالأسيجة والجدران الطويلة وأعمال الحفر وبعض الملامح الجغرافية المعيقة لهروب السجين. كما توجد الأسلاك الشائكة والبوابات الحديدية والإضاءة القوية وأبراج المراقبة وكلاب الحراسة وإنذارات المراقبة كما يوجد حراس من الضباط بحوزتهم أسلحة نارية.

تصنيف وفق نوعية الجريمة أو الفعل
المخالفة:

وهو ارتكاب الفعل الخاطىء الذى لا يرقى إلى حد الجريمة من عدم التزام بقواعد المرور .. وهنا يتم دفع غرامة من المال أو الحبس لفترة زمنية محددة إذا لم يتم دفع الغرامة.

الجنجة (الجريمة البسيطة):
وهى التى يعاقب عليها القانون بالغرامة أو السجن لمدة لا تتجاوز الثلاث سنوات.

الجناية (الجريمة الكبيرة):
وهى التى يعاقب عليها القانون بمدة تزيد على الثلاث سنوات وذلك فى الجرائم الكبيرة مثل السرقة والقتل.

جرائم الأحداث (Juvenile)
هناك سجون للأحداث أى للصغار تحت سن 17 – 18 عام ممن يحكم عليهم بعقوبات قانونية وكل بلد تحدد السن القانونية التى يكون فيها الفرد مسئولآً عن تصرفاته.

الجرائم العسكرية (Military)
وهى التى تكون جزءاً فى المؤسسة العسكرية، وتتضمن على سجناء الحرب، كما يقضى فيها العسكريون مدة عقوبتهم عن جريمة اقترفوها، بالإضافة إلى السجناء المدنيين ممن يضرون بالأمن العام للبلاد.

الجرائم السياسية (Political)
هناك البعض من الدول التى مازالت تحتفظ بهذه النوعية من السجون أو كان لديها مثل هذه السجون فى الماضى، فالسجناء هنا يُطلق عليهم السجناء السياسيين فهم لم يقترفوا جريمة أخلاقية أو إجرامية من السرقة أو القتل لكن يقضون عقوبتهم فيها بسبب قضايا تتعلق بأمن البلاد وسياستها.

الجرائم النفسية (Psychiatric)
هناك بعض المرافق النفسية التى لها سمات وخصائص بيئة السجن، وتكون مخصصة لاحتجاز المرضى الذين يمثلون خطراً على الأفراد المحيطين بهم - فهم أفراد تتوافر لديهم احتمالية اقتراف الجرائم فى حق الغير، كما تنطبق نوعية السجون هذه على الوحدات النفسية التابعة للسجون والتى تقوم بعلاج السجناء ممن يعانون من أمراض نفسية وعصبية وعقلية.

السجن .. ودوره الإصلاحى المفتقد

الجرائم الاجتماعية (Social)
وهى الجرائم التى تُرتكب بدافع الحقد أو الجشع أو الطمع أو الانتقام ويتم فيها الاعتداء على الأفراد أو الأسرة أو الأخلاق.

* السجن بوصفه مؤسسة إصلاحية (برامج إصلاحية بالسجون):
إن منظومة السجن بوصفها مؤسسة إصلاحية لابد وأن تطبق فيها البرامج الإصلاحية التى لا تخل بحقوق الإنسان حتى تحقق الهدف المنشود منها وهى إعادة تقديم المذنب للمجتمع على أنه مواطن صالح يفيده ولا يمثل أى عبء عليه.
فإدارة السجن تتعامل مع السجناء على كافة الأصعدة التعامل من الناحية الاجتماعية والنفسية والصحية وغيرها، كما تتعامل معهم في الحالات الطارئة على سبيل المثال لا الحصر الشغب أو الاعتصام أو المظاهرات أو الإضراب الجماعى .. لذا فالتركيز على حقوق الإنسان والإلمام بقواعد الحد الأدنى للتعامل مع السجناء وكيفية تطوير المهارات والحس الأمنى للقائمين بالعمل الإصلاحي شروط هامة لنجاحها كمؤسسة إصلاحية.

مرافق السجون ضرورة لصلاحها:
لابد وأن تتضمن السجون فى تصميمها على المرافق التالية:
- مدخل رئيسى يؤدى إلى عنابر السجناء.
- أماكن مخصصة للعبادة الدينية.
- أماكن مخصصة للتعليم وللثقافة مثل المكتبات.
المزيد عن إتيكيت المكتبة ..
- مكان مفتوح لممارسة الرياضة أو صالة للألعاب الرياضية.
- مطبخ أو أماكن مخصصة لطهى الأطعمة للسجناء.
- مكان لتقديم الرعاية الصحية للسجناء أو مستشفى.
- وحدات للزراعة وللحرف اليدوية التى يقوم بأعمالها السجناء.
- وحدة عزل للسجين الذي يشكل خطورة على باقى السجناء.
- مكان للزيارة، وهو المكان المخصص الذى يمكن أن يلتقى السجين فيه بأفراد عائلته أو بمحاميه أو بأصدقائه.
- وحدات خاصة للسجناء ممن ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام.
- مكان مخصص للمراقبة المستمرة لأشخاص بعينهم من يقدمون على الانتحار على سبيل المثال.
ما هى أسباب إقدام الإنسان على الانتحار ..
- أماكن لإقامة المسئولين عن إدارة السجن من الضباط ومقدمى الخدمات.

الحياة داخل السجن والزيارات:
فى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كان يتم النظر إلى السجون على أنها المؤسسة التى لها السيطرة الكاملة على كل ما يخص أمور السجناء .. فبالإضافة إلى البرامج الروتينية الموضوعة للسير على نظام وفقها مثل مواعيد الوجبات، مواعيد الاستيقاظ والنوم، مواعيد لممارسة الرياضة بل والاستحمام .. إلا أنه على الجانب الآخر توجد بعض الجوانب التى تخضع للرقابة الصارمة، ففى أواخر القرن العشرين توصل القائمون على أمور السجن والسجناء أنه ليس كل السجناء بحاجة إلى هذا الإشراف الصارم عن قرب وأن مثل هذه الصرامة تفقد السجن رسالته التى يقدمها من إعداد السجين لحياة ما بعد السجن.
فهناك بعض البلدان التى تشجع السجناء على أن تتحمل مسئولية تصرفاتها داخل السجن، وأن يستخدموا أوقاتهم داخل السجن لاختبار سلوكياتهم السابقة بل ويتم تدريبهم على مهارات تساعدهم على خوض الحياة بعد قضاء مدة الحكم.
وقد تتضمن برامج السجون على التعليم والأعمال الصناعية، والمهارات المهنية وغيرها من المهارات التى تُعرف بالمهارات الحياتية أو مهارات البقاء على "قيد الحياة".

وهناك بعض الأوقات التى يُسمح فيها للسجناء بالتواصل مع عائلاتهم، وهذا لا يكون هام فقط للسجين بل لأفراد العائلة بالمثل كحق من الحقوق الإنسانية التى تتيح للأبناء التواصل مع آبائهم الذين يتواجدون بعيداً عنهم داخل السجون. وفى بعض البلدان تتم هذه الزيارات فى حجرات مع عائلات المساجين مع وجود الرقابة من قبل إدارة السجن .. وهناك بعض السجون التى تتيح إقامة عائلة المسجون معه فى وحدات لمدة ثلاثة أيام.

المتابعة النفسية للسجين:
التعامل مع السجين من أهم المقومات التى تعمل على إعادة بناء شخصيته وجعله مواطن صالح للحياة، لابد وأن تتوافر الكفاءة للقائمين على العملية الإصلاحية داخل السجون وخاصة الأخصائيين الاجتماعيين الذين يقع على عاتقهم هذه المهمة الكبيرة. ومن عوامل تنمية كفاءة أداء العاملين فى المؤسسة الإصلاحية هما التأهيل والتدريب لكى يكونون قادرون على مواجهة المشكلات والمصاعب التى تواجه كافة الأطراف داخل المؤسسة الإصلاحية. فالسجناء كثيراً ما يمرون بالضغوط النفسية جراء الظروف الاجتماعية وقد لا يدركها العاملين في المؤسسة .. لذا من الهام تلقيهم التدريب الكافي والمستمر في هذا المجال التخصصي لهم ومعرفة آخر التطورات في هذا المجال.

الرقابة والإشراف على السجون:
التفتيش والإشراف القضائى على السجون يتمثل فى متابعة كافة النظم الموضوعة للسجن حيث تُرفع هذه التقارير إلى المسئولين كل فى اختصاصه على أن يتم تدوين كافة الملاحظات من قبل المفتشين، ومن المفترض أن يكون التفتيش للنظافة والصحة واستيفاء شروط الأمن، كما يتلقى المفتشون شكاوى المسجونين وفحص السجلات والأوراق القضائية للتحقق من مطابقتها للنماذج المقررة، ويكون من حق المفتشين اختيار السجناء الذين يريدون زيارتهم، وإجراء مقابلات على انفراد وفي سرية تامة معهم ومع موظفي السجن أثناء الزيارات، وعمليات التفتيش والإشراف على السجون من أهم الضمانات إن لم تكن أهمها لتحسين أوضاع المحتجزين وضمان مراعاة حفظ حقوق المساجين الإنسانية.
عمليات التفتيش المنتظمة في السجون وأماكن الاحتجاز تتمثل في عمليات تفتيش داخلية أو إدارية، تقوم بها الإدارة المركزية للسجون، وعمليات تفتيش خارجية تقوم بها هيئة مستقلة عن إدارة السجن، التى قد تشمل هيئات دولية أو إقليمية مختصة.

* النظرة إلى السجون:
لكن السؤال هو

كيف يمكن للسجون الحديثة أن تتطور من أن تكون فقط مكاناً للاحتفاظ بالمجرمين حتى لا يشكلون خطورة على المجتمع بل مؤسسة تجعل من المجرم مواطن له نفع عظيم للمجتمع.
قد يحتاج هذا الهدف إلى إعادة النظر فى نظم السجون الحالية واقتراح نظم حديثة تتلافى عيوب المؤسسات الحالية التى تتمثل فى جعل المجرمين أكثر إجراماً وخطورة على المجتمع هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تجعل السجين بعد خروجه من السجن شخص لا يتقبله المجتمع للاندماج فيه مرة أخرى.
إعادة النظر قد تشمل منظومة العقوبات والقوانين، هندسة السجون الحالية، نظم إدارية مختلفة ونظم إعادة تأهيل أكثر واقعية.
قد تكون إحدى ركائز إعادة النظر هو جعل حياة السجين داخل مؤسسة السجن أكثر إنسانية ومجتمع المساجين داخل السجن أكثر صحية وإيجابية وقدرة على فرز المنحرفين الذين يحتاجون للعزل داخل مؤسسات متخصصة.

صحيح أن المكافأة أو الثواب من أساليب التنشئة الفعالة للأفراد فى مختلف المجتمعات إلا أنها لا تُجدى مع السلوكيات المنحرفة التى تتطلب بعض من الحزم لتقويمها لنجد دور العقاب الذى يحل محل الثواب.
تتنوع أساليب العقاب بتنوع الأخطاء التى يتم اقترافها فنجد عقاب الطفل (المزيد عن معاقبة الطفل الصغير) الصغير يكون بحرمانه من حلوى يحبها وعندما يكبر بعض الشىء يكون بحرمانه من نزهة إلى أن ينضج الفرد ويفطن الفارق بين الخطأ والصواب فإذا ما اقترف خطئاً بسيطاً فلا مشكلة من أن يصحح الخطأ ويوجه إليه اللوم والتوبيخ القاسى فى بعض الأحيان لكن ماذا عن اقتراف الجرائم والخروج على القانون وارتكاب السلوكيات المنافية للآداب والأخلاق الاجتماعية أو التعدى على حقوق الآخرين .. هنا يكون القانون هو الحد الفاصل لمعالجة هذه السلوكيات الشاذة، ونجد أن المجتمعات تتفق فى محاربة كل سلوك فردي خارج عن القوانين وغالباً ما يكون السجن هو الأسلوب المعتمد لمعالجة السلوكيات الإجرامية للإنسان داخل المجتمعات كافة.
المزيد عن اليوم الدولي لعدم التسامح مطلقا إزاء تشويه الأعضاء التناسلية للإناث (ختان الإناث) ..
لكن هل يحقق السجن الهدف من تقويم سلوك الإنسان المنحرف، وهل يهذب خلقه ليصبح إنساناً صالحاً يفيد مجتمعه لا يضره بعد خروجه من وراء القضبان؟ أم يكتسب مهارات إجرامية جديدة ويكتسب مزيداً من السلوكيات المنحرفة ليصبح أكثر إجراماً عن ذى قبل!!!
يعتمد نجاح السجن فى تقويم سلوكيات الفرد أو فشله فى ذلك على عدة عوامل الأساس فيها هو أداء المسئولين والقائمين على أمور السجون.

السجن .. ودوره الإصلاحى المفتقد

إن واقع السجون فى غالبية بلدان العالم لا يعطى توقع بأن سلوكيات الشخص المذنب أو المجرم ستكون أفضل بعد أن يخرج منها، فالسجون بمواصفاتها البنائية من حيث مساحة العنابر لا تتفق مع المواصفات المحددة لها فهى عنابر ضيقة تستوعب أعداد كبيرة من المساجين تفوق قدرتها الاستيعابية بمراحل.

ناهيك عن خدمات الرعاية الصحية والنفسية والغذائية والمعيشية ككل المقدمة للمساجين والتى تكون فى أدنى معدلاتها بما لا يتوافق مع حقوق الإنسان.
ما هى حقوق الإنسان؟
المزيد عن اليوم الدولى للقضاء على الرق ..

بالإضافة إلى المعاملة السيئة لهم.

كما أن الجمع بين المساجين فى مراحلهم العمرية المختلفة أى حبس الأحداث الصغار مع البالغين، والجمع أيضاً بين المساجين ممن تختلف جرائمهم يشكل خطورة كبيرة حيث يجعل الفرصة سانحة أمام المساجين لتعلم ما ينقصهم من أساليب المخالفات بتوطيد أواصر العلاقة بينهم ليخرج الفرد من السجن ويعود إليه بجرم أكبر.

وإذا كانت الأحوال المعيشية غير الملائمة داخل السجون تتحكم فى فساد المواطن، فغياب الإصلاح النفسى للمجرم أو المنحرف يساهم بالمثل فى فساده. هذا العامل تتوافر له أهمية كبيرة، فالشخص الذى يعانى من انحرافاً فى سلوكياته فهو بالطبع يعانى من عدم اتزان نفسى ومطلوب تقويمه على هذا المستوى بالضبط مثل المريض النفسى الذى لا يمكن أن يتكيف مع الواقع الذى يعيش بداخله بدون لجوئه إلى الأخصائى النفسى، لابد وأن تقدم المشورة الاجتماعية والنفسية للمسجون من خلال الأخصائى الاجتماعى والأخصائى النفسى اللذان يتواصلان مع المسجون ومع عائلته ومع المسئولين عن أحوال السجن، فالتكفل بالمجرم على المستوى الاجتماعي يساعده على الاستقرار النفسي وتقوية القابلية لتحمل نظرة الآخرين له.

وماذا بعد أن يخرج الإنسان من حبسه ويواجه الحياة! هنا يظهر من جديد أمامه تحدِ آخر إما أن يكون له دوراً إيجابياً فى المجتمع أو أن يكون خروجه هذا مؤقتاً لكى يعود إلى محبسه مرة أخرى بجرم أكبر - وهذا الفعل الإجرامى الأكبر يعكس ما تعلمه أثناء حبسه.

السجن .. ودوره الإصلاحى المفتقد

وإذا نجحت الإدارة داخل السجون فى إعادة تشكيل شخصية المنحرف والمجرم ليكون مواطناً صالحاً بعد خروجه، فهناك عقبة قد تواجهه وتقوض مقومات صلاحه - تتواجد هذه العقبة خارج السجون وليس بداخلها - وهى عدم تقبل المجتمع له لتضاف إلى العوامل التى تساهم فى عودته إلى طريق الانحراف مرة أخرى، ولتجنب ذلك لابد من تغيير النظرة للسجين الذى قضى مدة عقويته وخرج للحياة والتعامل معه بإنسانية.

ولكى نغير هذا الواقع لابد من تغير الأحوال الداخلية للسجون لكى تلاءم الهدف المنشود منها وهو الإصلاح والتقويم، فأولى السبل للقضاء على الجريمة والسلوكيات المنحرفة هو تقديم الإجراءات الوقائية التى يتعلمها الشخص من تعزيز السلوك الجيد لديه.
لابد من إعادة تأهيل المجرم داخل السجن من خلال تنمية قدراته الذاتية وإكسابه مهارات نافعة له لكى يضمن تواصله الاجتماعى بعد خروجه من وراء القضبان.
لابد من إعادة التوازن النفسى للسجين بعد الإفراج عنه حتى يستطيع التكيف مع العالم الخارجى الذى قد يرفضه.
المزيد عن اضطراب التكيف ..

لابد وأن يكون للسجين حياة داخل السجون وحياة خارجها.

* دور المجتمع فى الوقاية من الجريمة:
إذا كانت هناك صورة سلبية عن تأثير السجون على السجناء التى قد تكون مظلمة بعض الشىء فى بعض المجتمعات، فلمَ لا تجعل المجتمعات السجون مؤسسة تربوية اجتماعية.
لا يقتصر إعادة تأهيل سلوكيات الشخص المنحرف أو المجرم على السجون وإنما المجتمع بكل مؤسساته يلعبون الدور الأعظم فى التكفل بالمجرم قبل أن يرتكب جريمته وأثناء إدانته وقضاء مدة عقوبته وبعد خروجه من خلف القضبان.
- صلاح الفرد يبدأ منذ صغره فإذا كانت التنشئة سليمة وصحيحة للطفل الصغير فهو ينشأ على السلوكيات والقيم التى تعلمها، فإذا تعلم أن الكذب والغش يتنافيان مع القيم الاجتماعية السوية فستظل هذه القيم راسخة لديه، وإذا لم يتم إرشاده إلى السلوك القويم فمن السهل عليه الانحراف والانتقال من سلوك غير لائق إلى سلوك منحرف ثم إلى سلوك إجرامى الذى يوقعه فريسة العقاب القانونى.
المزيد عن الكذب عند الطفل الصغير ..

- أن يكون المجتمع نفسه واعياً بأسس التنشئة السليمة بكافة مؤسساته، فلا يلقن الطفل القيم والسلوكيات الصحيحة داخل الأسرة ثم يخرج إلى جماعة الأصدقاء فى النادى أو فى المدرسة ليجد قيم مخالفة توقعه فى الحيرة بين ما هو صحيح وما خطأ، فلابد أن يكون المجتمع بأسره واعياً بأن النشء يتشبع بثقافة محيطه الاجتماعي الصحيحة بكل أبعادها.

- النهوض بالتعليم، فالجريمة غالباً تنتشر بين الأميين ممن لا يعرفون القراءة والكتابة، فالإنسان المتعلم هو إنسان ناضج فى فكره وفى تعاملاته مع الآخرين كما يستطيع أن يضع الأمور فى نصابها الصحيح.
المزيد عن مؤشرات الفقر .. وكيف يمكن قياسها؟ ..

السجن .. ودوره الإصلاحى المفتقد

- الاهتمام بالفرد وتنمية ثقته بذاته وبقدراته داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية وليس بمنأى عنها.

- التطوير المستمر لأساليب التنشئة لتتلاءم مع تطور المجتمعات ومتطلبات الأفراد فيها.

- تعزيز العلاقة بين الفرد وبين مجتمعه بمختلف الأساليب حتى لا يشعر بأنه غريب داخله ويتولد لديه شعور بالتمرد.

- التركيز على تعليم الشخص المنحرف أو المجرم داخل السجون وخارجها بعد أن بقضى مدة عقوبته حتى لا يتطور السلوك الإجرامى لديه أو ينشر الجريمة بين أفراد المجتمع الذى يتواصل معهم.

* المراجع:
  • "The Prison Experiment" - "prisonexp.org".
  • "Prison" - "britannica.com".
  • "Prison service" - "gov.uk".
  • "Prison studies" - "prisonstudies.org".

  • تقييم الموضوع:




تابعنا من خلال

فيدو على الفيسبوك فيدو على التويتر

نشرةالدورية

© 2001 - 2001 جميع حقوق النشر محفوظة لشركة الحاسبات المصرية
Designed & Developed by EBM Co. صمم وطور بواسطة شركة الحاسبات المصرية