تطور المجتمعات .. وتقدم الإنسان والحضارة

تطور المجتمعات .. وتقدم الإنسان والحضارة
* نشأة التطور الاجتماعى:
إن مصطلح التطور (Evolution) مشتق من الكلمة اللاتينية (Evoluere) والترجمة الحرفية لهذه الكلمة هى "التكشف التدريجى".

وقد استعار علم الاجتماع مصطلح التطور من العلوم البيولوجية، حيث تم إحلال مصطلح التطور العضوى المُستخدم فى العلوم البيولوجية (Organic evolution) بمصطلح التطور الاجتماعى فى علم الاجتماع (Social Evolution)، وبينما يُستخدم التطور العضوى للإشارة إلى تطور الكائنات الحية، فإن التطور الاجتماعى يُستخدم للإشارة إلى تطور المجتمع البشرى.

ينطوى مصطلح التطور الاجتماعى على تطور العلاقات الاجتماعية للإنسان على مر العصور، والذى فى الوقت ذاته يعكس ويشرح أصل الإنسان وتطوره. حيث يحاول علماء الإنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع سوياً التوصل إلى شرح مرضِ عن كيفية تطور المجتمعات، وكان هدفهم معرفة كيف تطورت المجتمعات وليس وضع وصف لها، لذلك استعانوا بمصطلح التطور العضوى الذى يتناول شرح تطور نوع من أنواع الكائنات الحية إلى نوع آخر، وأرادوا تطبيق ذلك على العالم الاجتماعى.
المزيد عن علم الإنسان "الأنثروبولوجيا" ..

* الفرق بين التطور الاجتماعي والتطور العضوي:
على الرغم من استعارة "التطور الاجتماعي" من المفهوم البيولوجي "للتطور العضوي"، إلا أن هناك بعض الاختلافات الأساسية بين المصطلحين وهي كما يلي:
أولاً - يشير التطور العضوي إلى الاختلاف في بنية الجسم، لكن التطور الاجتماعي لا يعني ذلك ويشير إلى أن الإنسان هو مركز التطور الاجتماعي. فالإنسان لا يحتاج إلى تطوير عضو جديد لكي يتكيف مع ظروف الحياة المتغيرة، لكن لديه القدرة على ابتكار الأدوات وصنعها، وابتكار التقنيات المختلفة للتحكم والتكيف مع الظروف الطبيعية.

ثانياً - في التطور العضوي يتم نقل الصفات من خلال الوراثة البيولوجية أي من خلال "الجينات"، لكن التطور الاجتماعي يحدث من خلال الأفكار والاكتشافات والاختراعات والتجارب حيث تنتقل التغييرات من خلال القدرة العقلية وعبقرية الإنسان.

ثالثاً - في التطور العضوي يتأثر الجيل الحالى بالصفات الوراثية. لكن في التطور الاجتماعي حتى الأجيال القديمة والجديدة تتأثر به، على سبيل المثال: يؤثر اختراع التقنيات والأجهزة الجديدة على الحاضر وكذلك الأجيال القادمة.

رابعاً - التطور العضوي مستمر، لكن مثل هذه الاستمرارية قد لا تتم ملاحظتها في حالة التطور الاجتماعي لأنه عرضة للاضطراب.

تطور المجتمعات .. وتقدم الإنسان والحضارة
تطورت المجتمعات من ذلك النمط البدائى إلى ذلك المتقدم الراقى

* تطور اجتماع البشر وتصنيفات مختلفة:
طُرحت إشكاليات متعددة حول نشأة المجتمعات وتطورها على مر العصور، حيث كان المسيطر على الفكر فى القدم أن نشأة المجتمعات ترجع إلى آلهة وشخصيات خيالية تتحكم فى البشر وتهددهم بالعقاب إذا كان هناك انحراف فى السلوكيات، وعلى الرغم من سيطرة هذا الفكر على مدار عقود طويلة، إلا أن التفكير فى تطور المجتمعات تغير مع مناهج المعرفة ومع الدراسات الإنسانية والاجتماعية المتعددة حيث تم النظر إلى المجتمعات بشكل أكثر واقعية وأصبح هناك تفكير مدروس للبحث فى العوامل التى دفعت البشر يتحولون من جماعات رُحل تنتقل من مكان إلى آخر بدون وجود أُطر اجتماعية إلى جماعات تعيش مع بعضها البعض فى تفاعل مستمر.

فقد مرت المجتمعات مرت بمراحل عدة كانت فى العهد القديم تتمثل فى الكهوف والغابات التى يعيش بداخلها الإنسان والتى يعتمد على كل شىء فيها.
ليتطور الأمر ومع اكتشاف النار بدأ البحث عن أنماط مختلفة من الطعام مثل الأسماك والحيوانات المائية التى أخذ يبحث عنها فى أماكن أخرى فبدأ ينتشر فى جزء كبير من سطح الأرض ثم تحول إلى الصيد بعد اختراع السهام. ومع التطور فى البحث عن طعامه والوصول إلى الاستقرار بعد ذلك لتتسع الأسرة لتصبح قبيلة وبناء القرى ومن بعدها المدن، فكان اجتماع البشر والتعاون فيما بينهم لسد احتياجاتهم الضرورية الأساسية ولحماية أنفسهم من الأخطار الطبيعية المحيطة وهذه هى الصورة البدائية للاجتماع لمواجهة ظروف الحياة القاسية والتى تُسمى بالاجتماع البدائى أو الاجتماع المحدود.

ليتطور بعد ذلك إلى الاجتماع الراقى الذى أخذ يدفع بأسباب التقدم والرقى لمختلف المجتمعات. فظهرت الرابطة الاقتصادية والاجتماعية بين الأفراد لسد احتياجاتهم اللازمة للارتقاء والتطور، لتظهر الثقافة العمرانية التى تعمل على اتساع دائرة النسل والاستخدام الأمثل للموارد وعلى التنظيم الاجتماعى والاقتصادى العمرانى أو المجتمع المتمدن .. ومن هنا تطورت أشكال الاجتماع البشري حيث بدأ بالميل الفطرى الطبيعى واستأنست أنثى بذكر وأخذ الاجتماع البشرى التطور التالى:
- شكل الأسرة
- ثم العشيرة
- ثم القبيلة
- ثم القرية
- ثم المدينة
- وأخيراً الدولة

كما يهتم علماء الاجتماع بتصنيف الاجتماع البشرى إلى مرحلتين:
وهى العصور التى تسمى بمرحلة ما قبل التاريخ - ما قبل معرفة الإنسان الكتابة - والتى تعرف أيضاً باسم العصور الحجرية: العصر الحجرى القديم والعصر الحجرى الحديث والعصر الحجرى الوسيط والعصر المعدنى.

لتأتى بعدها العصور التاريخية والتى تُقسم إلى: بالعصر القديم من عام 3200 قبل الميلاد حتى عام 476 ميلادية، ثم العصر الوسيط من عام 476 ميلادية حتى 1453 ميلادية، ثم العصر الحديث من عام 1453 ميلادية إلى 1789 ميلادية، وأخيراً الفترة المعاصرة مِن عام 1789 ميلادية حتى الآن.

وقد صنف والت ويتمان روستو (Walt Whitman Rostow) - خبيراً اقتصادياً سياسياً أمريكياً - مراحل تطور المجتمعات البشرية إلى خمس مراحل أساسية هي: المرحلة البدائية، ثم مرحلة التهيؤ للانطلاق، ثم مرحلة الانطلاق، استكمال مقومات مرحلة الانطلاق، مرحلة الاتجاه نحو النضج.

وبعيدأ عن الدافع الغريزى لاجتماع البشر، كانت هناك وجهتان نظر من بين الأطروحات المتعددة التى ساهمت فيما بعد فى تقديم صورة عن المجتمعات وتاريخ تطورها ونشأتها وقد تبدو كل واحدة منهما متناقضة مع الأخرى لكنهما متكاملتان. الأولى كانت للفيلسوف الألمانى "فريدريك إنجلز/ Friedrich Engels" الذى أشار إلى أن اجتماع البشر يرجع إلى الدوافع الاقتصادية، أما وجهة النظر الأخرى فكانت لعالم الاجتماع الفرنسى "إميل دور كايم/ David Émile Durkheim " حيث يرى أن الدوافع التى دعت البشر للاجتماع والتطور على مر العصور هى الرابطة الاجتماعية.

* الظواهر الناتجة عن الاجتماع البشرى:
وكنتيجة للاجتماع البشرى ظهرت مفاهيم كثيرة أو علاقات تفاعلية مع هذا الاجتماع ليكون أولها مفهوم التطور الاجتماعى الذى انبثق منه الكثير من المفاهيم الأخرى التى ترتبط بالمجتمعات ونشأتها وإقامتها.
فالتطور الاجتماعى هو المراحل التى مرت بها المجتمعات من المجتمعات البدائية التى تتسم بالبساطة إلى المجتمعات الراقية التى تتسم بالتعقيد، وهو تطور فى البناء والوظائف الذى يصاحبه التغيير فى المجتمعات.

- التنظيم الاجتماعى:
إن تجمع الأفراد لسد احتياجاتهم وإشباعها يحتاج إلى تنظيم، لذا ظهرت الحاجة إلى التنظيم الاجتماعى كعملية تلقائية في كل تجتمع إنسانى لوضع مستويات للسلوك الذي ينظر إليه على أنه مرغوب فيه بمعنى أنه يحقق أهداف المجتمع الإنساني ويتفق معه، وهذه المستويات من السلوك الاجتماعي يطلق عليها المعايير الاجتماعية وهي عبارة عن مبادئ لتحديد السلوك الملائمة.

- الاتصال الاجتماعى:
هى السلوكيات التى يستخدمها الأفراد من أجل تبادل المعلومات والمنفعة لاستمرار الحياة.

- الحراك الاجتماعي:
وهى تعبر عن حركة المجتمعات وانتقالها من حالة إلى أخرى من أجل النمو والتغيير.

- التفاعل الاجتماعى:
التفاعل الاجتماعى هو التأثير المتبادل بين أفراد المجتمع والذى يظهر فى صورة سلوكيات سلبية أو إيجابية.

- العلاقات الاجتماعية:
حياة الإنسان تفرض عليه الدخول فى علاقات اجتماعية، وهناك عنصران فى هذه العلاقات العنصر الأول هو العنصر الاجتماعى الذى يتمثل فى العلاقات التى تكون ما بين أفراد الأسرة، والعنصر الثانى هو العنصر المكانى وهى العلاقات التى ترتبط بتواجد الإنسان فى مكان ما يفرض عليه الدخول فى علاقات اجتماعية مع الأفراد الذين يتوافق معهم.

- السلوك الاجتماعى:
هو مجموع التصرفات والأفعال التى تصدر عن الشخص عند تفاعله فى المواقف المختلفة فى حياته، وهى سلوكيات مكتسبة وليست موروثة حيث يتعلمها الشخص من المحيط الاجتماعى الذى يعيش بداخله.
المزيد عن المهارات الاجتماعية ودورها فى تشكيل السلوك الاجتماعى ..

تطور المجتمعات .. وتقدم الإنسان والحضارة
التنشئة الاجتماعية تختلف ما بين المجتمعات

- التنشئة الاجتماعية :
يمكن النظر إلى عمليات التنشئة والتطبيع الاجتماعى على أنها عمليات تعلم وتعليم وتربية، وتعتمد أساساً على التفاعل الاجتماعى Social Interaction وتهدف إلى اكتساب الفرد سلوكاً ومعايير Norms واتجاهات Attitudes مناسبة لأدوار اجتماعية Social Role معينة تمكنه من مسايرة جماعته والتوافق الاجتماعى Social Adjustment معها، وتكسبه الطابع الاجتماعى وتسير له عملية الاندماج فى الحياة الاجتماعية.
ولذلك يمكن اعتبارها عملية تشكيل السلوك الاجتماعى للفرد، وأنه عن طريقها بتم استخدام ثقافة المجتمع فى بناء شخصية الفرد، أى أنها تمثل تلك العملية التى عن طريقها تطبع المادة الخام للطبيعة البشرية فى النمط الاجتماعى والثقافة. وهى بذلك تعتبر عملية تشكيل اجتماعى لخامات الشخصية، يتم عن طريقها ومن خلالها تحويل الكائن البيولوجى إلى كائن اجتماعى، وبذالك يكتسب الإنسان صفته الإنسانية.
المزيد عن التنشئة الاجتماعية ..

* مفهوم التطور الاجتماعى:
إن تعريف العلماء لمفهوم تطور المجتمعات يدور حول سؤالين أساسيين:
- السؤال الأول: كيف يتطور المجتمع؟
- والسؤال الثانى: كيف وصلت الحضارات/الثقافات إلى ما نحن عليه اليوم؟

فالفرضية الشائعة أن المجتمعات تطورت بسبب الإنسان (أى أن الإنسان هو السبب وراء تطور المجتمعات) فبناءً عليه فإن المجتمعات التى لم تتطور ستكون لديها ثقافات غير ناضجة ما بين الأفراد بعضهم البعض، بينما المجتمعات الأكثر تطوراً ستكون لديها ثقافات متقدمة. ويُفهم المجتمع التطورى من خلال السلوك الاجتماعي السائد فى الثقافة سواء أكانت تلك المتقدمة أم تلك التى لم تلحق بركاب التقدم، والسلوك هو وظيفة من وظائف البنية البيولوجية. والأشخاص التى تتمتع ببنية بيولوجية متفوقة من الممكن أن تؤدى إلى مجتمع أكثر تعقيداً.

وعند التفكير فى العوامل التى تشرح التطور الاجتماعى فهناك سؤال آخر يطرح نفسه، ألا وهو: ما الذى يتطور فى العالم الاجتماعى. والإجابة عادة تكون "المجتمع". وطالما أن المعنِى هنا هو المجتمع، فهناك عامل آخر يساهم فى تغيير المجتمعات وتطورها، وهذا العامل كما أشار إليه علماء علم الإنسان هو "الحضارة او الثقافة"، ومن هنا يكون التطور الاجتماعى هو تطور حضارى وثقافى للبشر الذين يعيشون داخل المجتمع.
وقد أشار العلماء إلى أربعة عوامل أحدثت تطوراُ كبيراً في ثقافتنا من البدايات البسيطة إلى العظمة التي حققتها الآن، وتكمن هذه العوامل فى التالى:
- التراكم
- الاختراع.
- الانتشار.
- التعديل.

وجاءت أهمية تقديم مفهوم للتطور الاجتماعى للأسباب التالية، وخاصة لشرح التغيرات التى تؤدى إلى نمو المجتمع:
- يمكن فهم طبيعة أي نظام بشكل أفضل إذا نظرنا إليه على أنه "يتكشف" بنفسه. فالتطور هو مبدأ النمو الداخلي. إنه لا يُظهر فقط ما يحدث لشيء ما ولكن أيضاً ما يحدث بداخله. وهكذا يساعدنا المفهوم على معرفة ما يحدث بالفعل داخل المجتمع في بنيته، أي في الأدوار الاجتماعية والمواقف والعلاقات بين الناس.

- ومفتاح التطور يساعدنا على ترتيب العديد من الحقائق بترتيب عالٍ فى الدقة، ووفقاً للتتابع الزمنى فهو يمنح الحقائق ترابط المراحل المتتالية، فعلى سبيل المثال: إنه يساعدنا على شرح كيف أصبحت وظائف الأسرة الحديثة بمرور الوقت، كما يوفر المبدأ التطوري وسيلة بسيطة لتصنيف وتمييز النظم الاجتماعية الأكثر تنوعاً. يمكن تصنيف المجتمعات على أساس العادات السائدة فيها، والعقائد، والتقنيات، والأفكار .. وما إلى ذلك.

- وأخيراً، يساعدنا التطور على معرفة اتجاه التغيير. دائماً ما يكون اتجاه التغيير نتيجة لبعض القوى العاملة المستمرة، وإذا كانت القوى العاملة معروفة فيمكن تحديد الاتجاه .. هل هو اتجاه يُحدث تغيير بالسلب أم بالإيجاب.

* سمات التطور الاجتماعى:
وفقًا لهربرت سبنسر (Herbert Spencer) عالم الاجتماع الألمانى الشهير، "التطور هو حالة تحول من "التجانس غير المترابط" إلى حالة "عدم التجانس المتماسك"، أو بمعنى آخر هو نمو أو تطور تدريجي من الوجود البسيط إلى ذلك المعقد. يمكن تبسيط وجهة نظر "سبنسر" بشكل أفضل بأن الإنسان في البداية (الحياة البدائية) عاش كل فرد حياة فردية، محاولًا معرفة وفعل الأشياء بمفرده. فكانت كل الأفراد متشابهة إلى حد ما، فيما يتعلق بجهلها بالحياة الاجتماعية المنظمة. وانطلاقاً من هذا المعنى، فكان الكل متجانس فى عدم المعرفة بالحياة المنظمة. ففي تلك المرحلة، لم يكونوا قادرين على تنظيم حياتهم الاجتماعية، ولا يمكنهم العمل معاً. ولم يكن هناك نظام محدد يعملون من خلاله.
وهكذا، شكلوا "تجانس غير محدود وغير متماسك"، ولكن تدريجياً، ازدادت خبراتهم وإدراكهم ومعرفتهم. حيث تعلموا الحياة والعمل معاً. ومن هنا ظهر التنظيم الاجتماعي، وتم تقسيم العمل، ووجد كل فرد نوعاً معيناً من العمل يمكنه القيام به بشكل أفضل. فعمل الجميع بطريقة منظمة ومحددة نحو هدف محدد. وبهذا، تم الوصول إلى حالة "عدم تجانس واضح ومتماسك".

وصف "سبنسر" أربعة مبادئ مهمة للتطور. هذه المبادئ هي:
- التطور الاجتماعي هو الجانب الثقافي أو البشري لقانون تغيير التطور الكوني.
- التطور الاجتماعي يحدث بنفس الطريقة في جميع الأماكن ويتقدم خلال بعض المراحل المحددة والحتمية.
- التطور الاجتماعي تدريجي.
- التطور الاجتماعي تقدمي.

تطور المجتمعات .. وتقدم الإنسان والحضارة
"سبنسر" والتطور الاجتماعى التقدمى

* التطور هو عملية اختلاف وتكامل:
تم تطوير مفهوم التطور كعملية تمايز (اختلاف) وتكامل لأول مرة من قبل علماء الاجتماع الألمان فون باير (Von Baer) وبعد ذلك من قبل هربرت سبنسر (Herbert Spencer) والعديد من العلماء الآخرين.

ومن أجل فهم أن التطور يحدث من خلال الاختلاف والتكامل، لابد من دراسة تاريخ المجتمع على مدى فترة طويلة من الزمن للتوصل إلى أن المجتمعات بكافة مؤسساتها تتطور أو تتطور باستمرار. يظهر في التطور الاجتماعي باستمرار ظروف ومشاكل جديدة، ومن أجل التعامل مع هذه الظروف المستجدة يتم استحداث مؤسسات جديدة لتضيف إلى البناء المجتمعى ليصبح أكثر توسعاً وتكاملاً على الرغم من اختلاف وظيفة كل مؤسسة. ومثالاً على ذلك المدن: المدينة أصبحت الآن مركزاً تجارياً كبيراً وأصبحت إدارتها في أيدي لجان مختلفة، فهناك من يعتني بالمرافق التعليمية ولجنة أخرى تعتني بالصرف الصحي وغيرها من اللجان المختلفة التى تواكب تطور المدينة.
لكن على الجانب الآخر بدون التكامل، لا يمكن لهذا الاختلاف أن ينجز أي شيء .. أى أن الاختلاف والتكامل يكملان بعضهما البعض ومترابطان.
وبفضل الترابط بين الاختلاف والتكامل، تزداد كفاءة المجتمع باستمرار. فتقسيم العمل هو الكلمة السحرية للتطور الاقتصادي الحديث من خلال زيادة عدد المؤسسات في المجتمع، يتم تنفيذ العمل في مختلف المجالات بنجاح أكبر، وبسبب عملية الترابط، تستفيد المجالات المختلفة من كفاءة بعضها البعض أيضاً.
يشير روبرت مريسون ماكلفر (Robert Morrison Maclver) - متخصص اسكتلندي في علم الاجتماع - إلى الترابط ما بين الاختلاف والتكامل بطريقة منهجية للغاية.
ووفقًا له، يتجلى التطور في المجتمع من خلال التالى:
- تقسيم أكبر للمجتمع من خلال العمل، وبالتالي نظام أكثر تفصيلاً للتعاون، لأن طاقة المزيد من الأفراد تتركز على مهام أكثر تحديداً.
- زيادة عدد وتنوع الجمعيات والمؤسسات الوظيفية، بحيث يكون كل منها أكثر تحديداً في نطاق أو طبيعة خدمتها.
- تنوع وصقل أكبر في أدوات التواصل الاجتماعي، والتى تكون اللغة فى مقدمتها.

ولم يكن "مكلفر" بمفرده فى هذا فقد أصر "ديفيد إميل دوركايم" - فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي أحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث - على الأهمية البارزة للتقسيم الاجتماعي للعمل كمعيار للتنمية الاجتماعية.

* التطور الاجتماعى والتغير الاجتماعى:
التغير الاجتماعي ظاهرة دائمة الوجود في كل مكان. عندما نتحدث عن التغيير الاجتماعي، يكون هناك افتراض بعدم وجود قانون .. أو نظريات .. أو اتجاهات. يحدث التغيير الاجتماعي في جميع المجتمعات وفي جميع الأوقات. ولا يوجد مجتمع جامداً بشكل مطلق، فمصطلح "التغيير الاجتماعي" لا يعني شيئاً سوى الاختلافات التي تحدث في التفاعلات البشرية والعلاقات المتبادلة.
في شرح مفهوم التغيير الاجتماعي استخدم علماء الاجتماع فى العصر الحديث كلمات وتعبيرات مختلفة، وكان التطور هو واحد منهم، فالعديد من العلماء ومن بينهم "سبنسر" استخدموا مفهوم التطور لتفسير التغيير الاجتماعي، فى حين أن البعض الآخر تخلوا عن فكرة أن التغيير الاجتماعي يحدث عبر مراحل تطورية.
يصف التطور سلسلة من التغييرات المترابطة في نظام ما، ولا يُظهر فقط ما يحدث لشيء ما ولكن أيضاَ ما يحدث داخله.
التطور هو نظام تغيير يكشف عن مجموعة متنوعة من الجوانب، ولا يمكن التحدث عن التطور عندما يتم تغيير كائن أو نظام بواسطة قوى تعمل عليه من الخارج فقط.
ووفقا "لماكلفر" فإن التطور ليس مجرد تغيير، إنها عملية جوهرية تؤدي إلى زيادة التعقيد والاختلاف. ويقول "ماكلفر" كذلك أن التطور أو الاختلاف يتجلى في المجتمع من خلال:
- تقسيم أكبر للعمل ينتج عنه تخصص كبير.
- زيادة في عدد وتنوع الجمعيات الوظيفية.
- تنوع وصقل أكبر في وسائل التواصل الاجتماعي.
يخلص "ماكلفر" إلى أنه "عندما تجري هذه التغييرات، فإن المجتمع يتطور".

* التقدم وتطور المجتمعات:
وُجد مفهوم التقدم في كتابات الفلاسفة الفرنسيين مثل: آن روبرت تورجو (Anne Robert Turgot) في القرن الثامن عشر وكان عاملاً حيوياً في النشاط الاجتماعي للإنسان الحديث، كما كان سان سيمون (Saint-Simon) وأوجست كونت (Auguste Comte) و"هربرت سبنسر" من أوائل الدعاة لفكرة التقدم. وفقاً لـ"كونت" كانت النخبة المثقفة هي التي يمكن أن تحقق عصراً من التقدم.
من الناحية اللغوية، تعني كلمة "التقدم" "المضي قُدماً"، والتقدم أو التراجع له شروط نسبية. إذا لوحظ أن هذا البلد قد أحرز تقدماً فلا يمكن استخراج معلومات ذات مغزى من مثل هذا البيان ما لم يكن الاتجاه الذي تم إحراز التقدم نحوه معروفاً.

بهذه الطريقة، فالتقدم ليس مجرد تغيير، إنه تغيير في اتجاه معين. لا يمكن إلحاق كلمة التقدم للتغيير في كل اتجاه، على سبيل المثال: إذا ساءت حالة الزراعة في بلد معين ونتجت المجاعة، فلا يمكن إنكار أن هذا تغيير، لكنه لن يسمى تقدماً. التقدم يعني المضي قُدماً في اتجاه تحقيق بعض الأهداف.

ولقد حدد مفكرون مختلفون التقدم بطرق مختلفة، ومن بين هذه التعريفات الهامة:
يُعرف ماكلفر التقدم كالتالى: "من خلال التقدم، فإننا لا نعني فقط الاتجاه، ولكن الاتجاه نحو هدف نهائى، يتم تحديد بعض الوجهة بشكل مثالي ليس فقط من خلال النظر الموضوعي في العمل".

يعرّف موريس جينسبيرج (Morris Ginsberg) - عالم الاجتماع البريطانى التقدم بأنه: "تطور أو تطور في اتجاه يفي بالمعيار العقلاني للقيمة".

وفقًا لعالم الاجتماع الأمريكى ويليام فيلدينج أوجبورن (William Fielding Ogburn): "التقدم هو حركة نحو فكرة موضوعية تكون مرغوبة من قبل المجموعة العامة للمستقبل المرئي".

فالتقدم يعني تقدماً نحو نهاية مرغوبة بشكل مثالي ويعني التغيير للأفضل، وهو مفهوم شخصي ولكنه يشير إلى حالة موضوعية.

تطور المجتمعات .. وتقدم الإنسان والحضارة
التقدم هو التغير إلى الأفضل

معايير التقدم:
من الصعب شرح معايير التقدم المتعلقة بسياقها الزمنى، حيث تُحدد القيم الاجتماعية التقدم كما أن تحديد أي تغيير على أنه تقدم أم لا يعتمد على القيم الاجتماعية. تتغير القيم الاجتماعية مع الوقت والمكان، وتتغير معايير التقدم مع تغير القيم الاجتماعية. وبالتالي، من الصعب صياغة معيار مقبول عالمياً للتقدم إلا أنه هناك بعض الآراء الخاصة بالمعايير العامة التى يمكن أن يُقاس بها إحراز التقدم من عدمه:
- الصحة وطول العمر:
متوسط طول العمر هو أحد مؤشرات التقدم، ولكن لا يترتب على ذلك بالضرورة أن تكون الحياة الأطول أكثر إمتاعاً وأفضل.
- الثروة:
في رأي بعض الأشخاص، فإن الثروة أو التقدم الاقتصادي هو معيار للتقدم.
- عدد السكان:
يرى بعض الناس أن الزيادة في عدد السكان هي علامة على التقدم. لكن الزيادة السكانية لا يمكن أن تكون علامة على التقدم.
السلوك الأخلاقى:
وفقًا لبعض المفكرين، السلوك الأخلاقي الراقى والإيجابى هو معيار التقدم.

ونظراً لأن الحياة لها جوانب عديدة فلا يمكن صياغة معيار واحد للتقدم. ولكن يشير علماء الاجتماع إلى أن التنمية المتكاملة للمجتمع هي معيار التقدم، كما يشمل التطوير المتكامل جميع الجوانب العقلية والجسدية والروحية بما في ذلك المعايير المذكورة أعلاه.

وعن الفرق بين التطور الاجتماعى والتقدم الاجتماعى، فى النظريات السابقة التى كانت سائدة فى القرن التاسع عشر كان مفهوم التطور الاجتماعى مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالتقدم الاجتماعى، حيث كان يتم النظر إلى التطور الاجتماعى على أنه تقدماُ اجتماعياً. أما علماء الاجتماع فى العصر الحديث لا يؤيدون هذا الفكر حيث يشيرون إلى التطور الاجتماعى على أنه ليس تقدماً، ويؤكدون على ضرورة التمييز بين المصطلحين فالتطور يعني نوعاً من النمو بينما يعني التقدم الاجتماعي نمو الحياة الاجتماعية. كما يشير البعض أيضاً إلى أن التقدم الاجتماعي هو جانب واحد فقط من بين العديد من جوانب التطور الاجتماعي، ولا يعتبر أي أو كل شكل من أشكال التطور الاجتماعي هو شكل من أشكال التقدم الاجتماعي.
وهناك فارق آخر أشاروا إليه وهو أن التطور مفهوم علمي والتقدم مفهوم أخلاقي، التطور حقيقة يمكن إثباتها، أما التقدم شخصي للغاية ولا يمكن إثباته بدرجة من اليقين.

وعلى الرغم من أن المفاهيم الثلاثة السابقة متباينة: التغير الاجتماعي والتطور الاجتماعي والتقدم الاجتماعي وتمتلك إطاراً فكرياً مختلفاً إلا أنه هناك معايير تشترك فيها، فالثلاث مصطلحات تنتج عن أسباب وهذه الأسباب يكون لها عدد من التأثيرات على الأفراد وعلى المجتمعات، ثم يختلط التأثير والسبب لإنتاج تأثيرات جديدة أخرى، ومرة أخرى يتم إنشاء روابط جديدة بين السبب والنتيجة وهكذا تستمر العملية لتنتج المجتمعات بكل ما فيها من تطور وتغيير وتقدم أو تراجع.

تطور المجتمعات .. وتقدم الإنسان والحضارة
عوامل التكنولوجيا والثقافة والسكان تؤثر على تطور المجتمعات

* العوامل التى أدت إلى تطور المجتمعات:
لا يشير التفسير الاجتماعي للتطور إلى الهيكل الذي يتغير فحسب، بل يشير أيضاً إلى العوامل التي تؤثر على مثل هذا التطور. وبما أن التطور الاجتماعي مرت به المجتمعات فى مختلف الفترات الزمنية، لذلك يجب التعرف على العوامل التي تنتج هذا التطور.
ومن بين العوامل التى أثرت على تطور المجتمعات:
- العامل التكنولوجى:

يشكل العامل التكنولوجي أحد المصادر الهامة للتطور الاجتماعي. فالتكنولوجيا عامل هام للتطور الاجتماعي. فعندما يتم تطبيق المعرفة العلمية على مشاكل الحياة، فإنها تصبح تقنية. التكنولوجيا تنمو بسرعة، ويتيح كل تقدم تكنولوجى نتائج إيجابية بجهد أقل وبتكلفة أقل ووقت أقل. كما أنه يوفر فرصاً جديدة ويؤسس ظروفاً جديدة للحياة.
المزيد عن ماهية التكنولوجيا ..
ولقد غيرت الابتكارات التكنولوجية السلسلة الكاملة للحياة الاجتماعية والثقافية، فالآثار الاجتماعية للتقنيات عميقة. ومن بين التغييرات الأساسية التي أحدثتها التكنولوجيا في الهيكل الاجتماعي هى على النحو التالي:
- ميلاد نظام المصانع وتواجد الآلة فى الصناعات.
- التحضر.
- تطور التقنيات الزراعية الجديدة.
- تطور وسائل النقل والاتصال.
- تطور نظم الطبقات الاجتماعية.

- العامل الثقافى:
من بين جميع العوامل، العامل الثقافي هو الأهم والذي يعمل كسبب رئيسي للتطور الاجتماعي. فالثقافة ليست شيئاً ثابتاً، فهى دائماً في حالة تغير مستمر. وتُعطى قوة توجه التطور الاجتماعي، وهى قوى الحياة الداخلية للمجتمع، إنها تخلق نفسها وتتطور من تلقاء نفسها وتُصدر إشارات وتوجيهات للسلوك الاجتماعي. فالتراث الاجتماعي ليس نصاً مكتوباً يتبعه الأفراد بشكل حرفى.

- العامل السكانى:
يلعب العامل السكانى (الديموجرافى) الدور الأكثر حسماً في إحداث التطور الاجتماعي. ويتصل بالعوامل التي تحدد السكان: حجمهم وأعدادهم وتكوينهم وكثافتهم والتوزيع المحلي وما إلى ذلك.
وهناك علاقة متبادلة بين السكان والبنية الاجتماعية، حيث يؤثر الهيكل الاجتماعي على التغيرات السكانية ويتأثر بها. مما لا شك فيه أن الظروف الاقتصادية ومعدلات السكان مترابطة. فمع التغيرات في حجم وعدد وكثافة السكان، يزيد التمايز الاجتماعي وتقسيم العمل. ومع التقدم في العلوم والتكنولوجيا تحدث زيادة فى عدد سكان العالم بشكل غير مباشر عن طريق تأخير معدل الوفيات، الأمر الذى يؤثر على الهيكل الاجتماعى والتطور المرتبط به. وعلى الجانب الآخر يؤدى النمو السكاني إلى ولادة مجموعة كبيرة ومتنوعة من المشاكل الاجتماعية مثل البطالة وعمالة الأطفال والحروب والمنافسة.

* المراجع:
  • "Social Evolution" - "britannica.com".
  • "Social Evolution" - "jstor.org".
  • "Human Social Evolution: Self-Domestication or Self-Control?" - "frontiersin.org".

  • تقييم الموضوع:




تابعنا من خلال

فيدو على الفيسبوك فيدو على التويتر

نشرةالدورية

© 2001 - 2001 جميع حقوق النشر محفوظة لشركة الحاسبات المصرية
Designed & Developed by EBM Co. صمم وطور بواسطة شركة الحاسبات المصرية